في أزمنة الاضطراب الكبرى، لا تحدد خريطة الأحداث مسار التاريخ بمفردها، بل تحدده قراءة هذه الأحداث والتعامل معها بوعي استراتيجي، واليوم تقف المنطقة أمام مشهد بالغ التعقيد تتداخل فيه خطوط الاشتباك وتتشابك المصالح الدولية والإقليمية، بما يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: من يملك القدرة على إدارة التوازن، لا إشعال الصراع؟

فما يجري في الإقليم لم يعد مجرد مواجهة تقليدية بين أطراف متنازعة، بل أصبح تعبيرًا عن حالة سيولة استراتيجية تضرب بنية النظام الإقليمي في عمقها، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى على نحو غير مسبوق، من الخليج العربي حيث تتعرض منشآت مدنية واستراتيجية لتهديدات مباشرة، إلى المشرق العربي حيث تتسع رقعة المواجهة لتشمل الأراضي اللبنانية في انتهاك واضح لسيادة الدول ولقواعد الاشتباك التي طالما حكمت هذا الإقليم.

الموقف المصري: ثوابت راسخة في زمن السيولة

في هذا السياق، جاء الموقف المصري ليعكس ثوابت لا تتغير بتغير اللحظة، حيث أكدت القاهرة رفضها القاطع لأي اعتداء على دول الخليج العربي باعتباره مساسًا مباشرًا بالأمن القومي العربي، كما أعلنت بوضوح رفضها لانتهاك السيادة اللبنانية، إدراكًا منها لخطورة فتح جبهات متعددة في منطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من الانفجار.

الموقف المصري عبر المكالمة الهاتفية

في تأكيد عملي وواضح على موقف مصر الرافض لأي اعتداء على دول الخليج العربي، أجرى الرئيس عبد الفتاح السيسي مكالمة هاتفية مع نظيره الإيراني، أعرب خلالها عن استياء مصر العميق من استمرار الاستهداف المباشر لدول الخليج، وأكد الرئيس أن مصر ترفض أي محاولات لزعزعة الأمن الإقليمي، وأن الحفاظ على سيادة الدول العربية واستقرارها هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه، كما شدد على أن القاهرة ستواصل ممارسة كل أشكال الدبلوماسية النشطة لضمان عدم الانزلاق إلى تصعيد عسكري، بما يعكس الدور القيادي لمصر في حماية الأمن القومي العربي.

وتحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تتحرك السياسة الخارجية المصرية وفق معادلة دقيقة تقوم على التوازن بين الالتزام بالمبادئ والقدرة على المناورة، بين رفض الانجرار إلى صراعات مفتوحة وعدم القبول في الوقت ذاته بفرض أمر واقع يهدد استقرار الإقليم، وهي معادلة ليست سهلة لكنها تعكس خبرة دولة خبرت تحولات المنطقة، وأدركت أن كلفة التهور تفوق كثيرًا كلفة الصبر الاستراتيجي.

ولعل ما يميز هذا التحرك المصري أنه لا يكتفي برد الفعل، بل يسعى إلى صياغة إطار أوسع للتعامل مع الأزمات، وهو ما يتجلى في تجديد الدعوة إلى تشكيل قوة عربية – بدعم دولي – تكون قادرة على حماية الأمن القومي العربي، ليس من منظور عسكري صرف، بل في إطار منظومة شاملة تتكامل فيها الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية.

إن هذه الدعوة، في جوهرها، تعكس إدراكًا بأن النظام الإقليمي العربي لم يعد قادرًا – بصيغته التقليدية – على مواجهة التحديات الراهنة، وأن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة بناء آليات جماعية أكثر فاعلية، تستند إلى تنسيق حقيقي لا إلى بيانات سياسية عابرة، وهي رؤية تلتقي مع ما تطرحه العديد من مراكز الدراسات الاستراتيجية، التي تشير إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب نماذج جديدة من العمل المشترك، تتجاوز الأطر التقليدية التي أثبتت محدودية تأثيرها.

وعلى جانب آخر، فإن التحرك المصري لا ينفصل عن قراءة أعمق للمشهد الدولي، حيث يشهد العالم تحولًا نحو تعددية قطبية مضطربة، تتراجع فيها قواعد النظام الدولي التقليدي لصالح صراعات نفوذ مفتوحة، تستخدم فيها الأدوات العسكرية والاقتصاد.