عند بئر “مَدين”، لم تكن الغاية مجرد الماء، بل كان المشهد درساً في الستر والسكينة خلّده الوحي، حيث وقف نبي الله موسى، الغريب الفقير إلى رحمة ربه، يراقب مشهداً يأسر القلوب؛ فتاتان تحميان أغنامهما في صمت، وتلوذان بظلال العفة بعيداً عن صخب الرجال، مفضلتين الانتظار تحت وهج الشمس على خدش الحياء بمزاحمة لا تليق ببيوت الصالحين.

وحين سألهما موسى: “ما خطبكما؟”، جاء ردهما واضحاً وعزيزاً كما ورد في سورة القصص: “لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ”، ويحمل قولهما “حتى يُصدر الرعاء” دستوراً بليغاً في الرفعة والاحتشام، فهو يعني انتظار انصراف الرجال تماماً قبل البدء بالسقيا، صوناً للكرامة ورفضاً للاختلاط، لقد كان خروجهما للعمل واجباً لإعالة البيت، وكان انتظارهما عند البئر حمايةً لستر النفس.

الغربة بين السعي والستر: امتحان الكرامة والإيمان

تمثل رحلة موسى إلى مدين نموذجاً أبدياً لتجربة الغربة التي تجمع بين السعي الحثيث للرزق والحفاظ على المبادئ، حيث يجد المغترب نفسه في حالة من الافتقار إلى الله مع اليقين بأن الكرم الإلهي سيأتي من حيث لا يحتسب، فالمسافة بين الوطن والأرض الغريبة ليست فراغاً جغرافياً فحسب، بل هي فضاءٌ يختبر فيه المرء صبره وإيمانه وكرامته، وتتحول الوحدة فيه إلى خلوة مع الذات والرب، إذا ما أحيطت بسياج من الستر والتقوى.

وبشهامته الفطرية، سقى لهما موسى ثم تولى إلى الظل، ليس طلباً للراحة بل ليشكو غربته لربه، فجاء صوته بفيض اليقين: “رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ”، ويمنحنا هذا الدعاء بياناً شافياً؛ فموسى لم يطلب حاجةً دنيوية بعينها، بل أعلن افتقاره الدائم لخير الله أينما كان، مؤمناً بأن المعطي هو الخالق وحده، وسلم أمره للفضل الإلهي لا لسؤال المخلوق.

ولم يتأخر الجزاء، إذ سرعان ما تجسدت الإجابة في قوله تعالى: “فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا”، ففي تلك اللحظة تبددت وحشة الغربة، ووجد موسى الأنس في الستر الذي سعى إليه وبذله، وكان الحياء الظاهر في مشية الفتاة بمثابة الوطن الذي آوى وحدته، ففي مشيتها المترددة بوقار وجد الطمأنينة التي افتقدها في دروب النزوح، وكأن عفتها كانت أول جدارٍ حقيقي يرتفع ليحمي غربته.

الغربة الحديثة: امتداد لظل موسى وبناء قصور الستر

تؤكد هذه القصة عبر الزمان أن المغترب اليوم، الذي يغلق بابه في بلادٍ بعيدة، ليس إلا امتداداً لظل موسى الذي لجأ إليه بعد عناء السعي، فخلف الجدران الصامتة تدور معارك يربحها الإنسان بصبره وبنبل الغاية، فالمغترب حين يختار طريق الرزق الحلال ويتحمل وعثاء الوحدة، يبني في الحقيقة قصراً من الستر لأهل بيته في الوطن، قطعةً بقطعة وعرقاً بعرق.

وهنا يتجلى جوهر الحقيقة في عبارة تختصر المسافات: “في خلوة الغربة الستر يؤنس الوحدة”، فالستر ليس مجرد غياب عن الأعين، بل هو معية ربانية تملأ فراغ المكان، فعندما يشعر الكادح أن الله يستر تعبه وضعفه وحاجة أهله بفضل كدحه، تتحول وحدته من سجنٍ ضيق إلى خلوة مطمئنة.

إن الستر هنا يعمل كأنيسٍ خفي، يهمس في أذن المغترب كلما اشتد عليه الحنين بأن الله الذي سقى لموسى بفضله، سيسقيه من فيض كرمه، وهذا اليقين بأن العناء وديعةٌ عند الله يجعل من صمت الغرف البعيدة صلاةً مستمرة، ومن الرزق الحلال رفيقاً يطرد اليأس، ويجعل من صمود المغترب ملحمةً تليق بوارثٍ لخطى الأنبياء.