كانت الأرض صفحة بيضاء لم يخط عليها الإنسان بعد أولى سطور الخصومة، حيث غابت المنفعة عن المشهد فلم تفسد براءة أسمى أشكال الروابط الإنسانية وعلى رأسها الأخوة، ينساب الكون في بساطة مطلقة بلا أثر يذكر لأي خطوات سابقة توجه المسير ولا تعقيدات نفسية تلوث نقاء النوايا.

وسط تلك الأجواء الساكنة رقب الابن الأول لآدم “قابيل” نماء الزرع بينما تفرغ شقيقه “هابيل” لرعي القطعان، وكأن الحياة تقدم لهما خيارات العيش والارتقاء بلا حقد أو عداء، وما من إشارة توحي بأن هذا الهدوء يخبئ في طياته بركاناً سيغير وجه التاريخ للأبد أو أن الإنسان الذي كرمه الله على وشك اختبار أول انشطار في ماهيته بين سمو الروح الخالد وطغيان المادة الزائل.

استُهل المشهد بامتثال الشقيقين لتوجيه والدهما آدم عليه السلام الذي نقل إليهما الأمر الإلهي بتقديم قربان إلى الله عز وجل ليكون برهاناً على الطاعة واختباراً لما تكنّه الصدور في مهد البشرية، كلاهما تقدم بعطائه لتغدو تلك القرابين كاشفةً للمعدن الحقيقي لكل منهما لكن شتان ما بين قلب وقلب.

استخسر قابيل الجيد من إنتاجه وقدم أردأ ما عنده من ثمار ذابلة بامتنانٍ منقوص ونفسٍ ضاقت عن حب البذل وكأنه يؤدي ضريبةً ثقيلة لا عبادةً طوعية، وعلى النقيض انتقى هابيل أفضل وأسمن ما في قطيعه ليقدمه قرباناً فاضت به روحه المتسعة إخلاصاً فكان التباين بينهما هو الفرق بين من يعطي ليتخلص من حمل ومن يمنح ليرتقي بالمحبة.

المواجهة الأولى بين الخير والشر

آنذاك ولدت أول تراجيديا بشرية إذ تقبل الله من هابيل ورُفِض سعي قابيل فاستعرت في صدر الأخير نيران الأنا المشتعلة بالغيرة ليواجهه هابيل ببرد الطمأنينة وسلام اليقين، خلا النزاع من أطماع الملك أو السلطان بل كان صراعاً بين الشر الذي يرى في الآخر تهديداً لوجوده والخير الذي يتخذ من الرضا الإلهي سقفاً لطموحه وملاذاً وحيداً لسكينته.

وبوصول الغيرة ذروتها انحبست أنفاس الخلائق في صمتٍ مهيب إذ رفع قابيل يده مدفوعاً بوهم القوة لينهي حياة شقيقه، خلال تلك البرهة الخاطفة لم يرتفع النصل أو الحجر بل كانت الأنا المتضخمة هي التي حاولت اغتيال الفطرة السوية، وبرغم قتامة المشهد تجلت أعظم لحظات الانتصار الأخلاقي حين رفض هابيل أن ينزلق لمستوى الخطيئة أو أن تلوث الدماء كفه متمسكاً بأيقونة تغليب الخير التي خلدها القرآن الكريم بسورة المائدة في قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم “لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ” صدق الله العظيم.

لم تمثل هذه الكلمات إعلاناً عن ضعف بل كانت إرساءً للدستور القيمي الأول حيث غلب هابيل معنوياً قبل أن يُهزم جسدياً مؤكداً أن الصلاح يمتلك رفاهية التعفف عن الأذى بينما يغرق الضلال في ضيق الانتقام ووحشة الندم الذي طارد قابيل وهو يبحث عمن يواري سوأة انكساره النفسي قبل جثة أخيه.

ومن هذا الصدام الأول ينتقل بنا التأمل إلى القرآن الكريم فهو الميزان الدقيق الذي لم يترك هذه الجدلية نهباً للتأويلات بل وضعها في قالب من الهندسة الرقمية المذهلة إذ نجد أن كلمة الملائكة ذُكرت 88 مرة وفي المقابل تماماً وردت كلمة الشياطين 88 مرة، هذا التساوي المذهل يخبرنا أن الأرض ميدان عدل تتساوى فيه قوى الدفع نحو الفضيلة وقوى الجذب نحو الغواية ليبقى القرار النهائي رهين إرادة المرء وحده.

ورغم هذا التعادل في القوى المحركة ينحاز الميزان