تتخذ أزمة الملاحة في مضيق هرمز منحى غير مسبوق من التعقيد، مع تصاعد التوترات العسكرية في الخليج وتحول أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى نقطة اختناق تهدد الاقتصاد الدولي، وبينما تتزايد الهجمات على السفن التجارية وتتراجع حركة العبور بشكل حاد، تبدو الأزمة مفتوحة على سيناريوهات سياسية وعسكرية معقدة.
يعد المضيق شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير فوري على الأسواق، ومنذ اندلاع المواجهة أواخر فبراير عقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، تراجعت حركة الشحن بنسبة تصل إلى 95% وفق تقديرات تحليلية، في مؤشر خطير على حجم التعطل الذي أصاب هذا الممر الحيوي.
في هذا السياق، أعلنت ست دول كبرى من بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا استعدادها لدعم جهود تأمين الملاحة، وسط تحذيرات من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى شلل شبه كامل في سلاسل التوريد العالمية.
رسوم عبور وتوتر متصاعد
في تطور لافت، كشفت وكالة “بلومبرغ” أن إيران بدأت فرض رسوم تصل إلى مليوني دولار على بعض السفن التجارية مقابل ضمان مرورها الآمن عبر المضيق، ورغم غموض آلية الدفع، فإن بعض الشركات اضطرت إلى الامتثال في ظل المخاطر المتزايدة.
يبدو أن طهران تعتمد سياسة “حافة الهاوية”، إذ لا تغلق المضيق بالكامل لكنها تفرض قيودًا وضغوطًا تجعل المرور محفوفًا بالمخاطر، في خطوة تعزز من موقعها التفاوضي في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
أرقام صادمة وحركة مشلولة
خلال الأسابيع الماضية، لم يتجاوز عدد السفن التي عبرت المضيق 138 سفينة معظمها ناقلات نفط وغاز، في حين بقيت آلاف السفن في حالة انتظار أو أعادت تموضعها بعيدًا عن المنطقة، وتشير البيانات إلى أن الجزء الأكبر من السفن التي تمكنت من العبور كانت إما إيرانية أو مرتبطة بدول لديها تنسيق مباشر مع طهران مثل الصين والهند.
كما برز مسار ملاحي جديد يعتقد أنه يخضع لإشراف إيراني، يمر قرب جزيرة لارك حيث يتم فحص السفن قبل السماح لها بالعبور، في مؤشر على إحكام السيطرة الإيرانية على حركة الملاحة.
أزمة إنسانية صامتة
بعيدًا عن الأرقام، تتكشف أزمة إنسانية متفاقمة، حيث يواجه نحو 20 ألف بحار ظروفًا صعبة على متن سفنهم مع صعوبة تبديل الطواقم وتأخر الإمدادات، وأكدت تقارير دولية مقتل سبعة من أفراد الطواقم منذ بدء التصعيد، ما يعكس خطورة الوضع على العاملين في هذا القطاع.
ودعت جهات دولية إلى عدم استخدام البحارة كأدوات في النزاعات الجيوسياسية، في ظل تصاعد المخاطر وغياب أفق واضح للحل.
تكلفة اقتصادية متصاعدة
الأزمة لم تقتصر على الجانب الأمني، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، حيث ارتفعت تكاليف الشحن بشكل ملحوظ نتيجة زيادة أقساط التأمين وطول مسارات الرحلات وازدحام الموانئ البديلة، كما انعكس ذلك على أسعار النفط التي سجلت ارتفاعات حادة، ما زاد من الضغوط التضخمية عالميًا.
وتأثرت أسواق المال أيضًا، حيث شهدت تذبذبًا واضحًا مع صعود أسهم شركات الطاقة مقابل تراجع قطاعات النقل والتجارة.
تأثيرات متشعبة على الأمن الغذائي العالمي
تتجاوز تداعيات أزمة مضيق هرمز قطاع الطاقة لتطال الأمن الغذائي العالمي بشكل مباشر، حيث يعتمد العديد من الدول المستوردة في الشرق الأوسط وأفريقيا على الممر البحري لاستيراد السلع الأساسية، مما يجعل تعطل سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف النقل تهديدًا مزدوجًا لاستقرار الأسواق ورفاهية السكان، وقد يؤدي هذا الوضع إلى تفاقم أزمات الغذاء القائمة وخلق بؤر جديدة للتوتر الاجتماعي.
ورغم أن المضيق يعرف كممر للطاقة، فإن تداعيات الأزمة طالت سلاسل توريد الغذاء، خاصة في مناطق تعتمد على الاستيراد مثل الشرق الأوسط وأفريقيا، فتعطل الشحن وارتفاع تكاليف النقل ينذران بارتفاع أسعار المواد الغذائية، ما قد يؤدي إلى موجة جديدة.
التعليقات