لم يسلط الإعلام العربي الضوء على المفاجأة الحقيقية في المشهد العسكري الأخير، وهي نجاح الدفاعات الخليجية في صد الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيرات، بينما عجزت أنظمة “القبة الحديدية” و”مقلاع داود” الإسرائيلية عن تحقيق النجاح ذاته، مما يطرح تساؤلات حول نزعتنا العربية نحو جلد الذات وتقويض إنجازاتنا.

الدفاعات الخليجية تثبت كفاءتها الذاتية في مواجهة غير متوقعة

أظهرت التجهيزات العسكرية لدول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين، قدرة لافتة على الاعتماد على الذات في التصدي للهجوم الإيراني المفاجئ، حيث نجحت هذه الأنظمة الدفاعية في حماية سماء المنطقة دون الاعتماد على قوى خارجية، وهو إنجاز استراتيجي يحسب للقدرات التكنولوجية والتدريبية المتطورة التي تمتلكها هذه الدول.

واللافت أن وسائل الإعلام العربية والعالمية تجاهلت حقيقة أخرى، وهي أن دول الخليج هي من دافعت عن القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها، لتصبح في موقع الحامي للجنود الأمريكيين في منشآت تحولت إلى عبء استراتيجي، مما يضع الشعوب العربية في موقف تدفع فيه فاتورة مواجهات عسكرية واقتصادية ليست طرفاً فيها، رغم تاريخها المنحاز تقليدياً ضد الضربات الموجهة لإيران، ولكن مع تحول إسرائيل إلى لاعب مؤثر في القرار الأمريكي، وقدم الموساد والشاباك معلومات مضللة عن سقوط النظام الإيراني خلال أسبوع، رغم نفي المخابرات والبنتاغون لها، وجدت الولايات المتحدة نفسها متورطة في حرب بلا رؤية استراتيجية للخروج منها، ولم تأخذ في الحسبان فخ مضيق هرمز الإيراني.

حكمة القادة الخليجيين في تجنب الكمين

يبرز ذكاء القادة الخليجيين في ضبط النفس ورفض الانجرار إلى الكمين الأمريكي الإسرائيلي، الذي يهدف إلى جر دولهم إلى خط المواجهة المباشر مع إيران، فقد أدركوا أن أي مواجهة ستشعل حرباً تدمر الاقتصاد وتكلف شعوب المنطقة عقوداً من التقدم، خاصة أن دول الخليج تمثل شريان الاقتصاد العربي عبر مشاريع الطاقة والنفط والغاز والبتروكيماويات، وهو ما أحبط المحاولات الإسرائيلية لدفعها لضرب إيران، خاصة مع التأثير العالمي الكبير لاضطراب إمدادات النفط والغاز ورمزية مضيق هرمز كشريان حيوي للتجارة العالمية.

ولا يمكن إغفال الموقف الأردني الصلب الذي رفض، من خلال الملك عبدالله الثاني، المشاركة في الحرب أو السماح باستخدام الأراضي أو المجال الجوي الأردني لضرب إيران، كما نجح الجيش الأردني في اعتراض المسيرات التي توجهت نحو مملكته.

العراق.. صمود على خط النار

يستحق العراق الإشادة بصموده تحت وطأة الضربات المتكررة من إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، حيث يقود رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لعبة التوازن الدقيقة على خط النار، ويعاني البلد من استهداف منشآته النفطية التي تمثل شريان نهضته الاقتصادية، رغم امتلاكه أحد أكبر الاحتياطيات النقدية بعد استقلاله المالي الأخير، والتحدي الأكبر يتمثل في استهداف إسرائيل وأمريكا للحشد الشعبي والميليشيات العراقية الموالية لإيران، مما يهدد بإسقاط البلاد في مستنقع الحرب.

وتجدر الإشارة إلى أن المواقف الوطنية تظل منحازة للشعب المصري والعربي، وأن الصوت الحر الذي يدافع عن الضمير الإنساني والوطني في البلدان العربية والإسلامية، يرفع أياديه النظيفة إلى السماء، ويواصل مسيرته بقلم جريء لا يخشى في الحق لومة لائم، امتدت على مدار 35 عاماً من العمل الصحفي في مصر وخبرة برلمانية كممثل مستقل للشعب.