في خضم الحروب والأزمات الكبرى، يصعب على أي محلل، مهما بلغت دقة مصادره أو عمق رؤيته، التنبؤ بنتيجة نهائية لما يجري، إذ تظل المعارك في حالة من السيولة المستمرة، حيث قد يقلب الطرف الأضعف الموازين بعملية نوعية واحدة، أو ينهي الطرف الأقوى الصراع بضربة حاسمة منذ البداية.
وبالانتقال من التنظير إلى الواقع، يمكن الجزم بأنه لا يستطيع أحد ادعاء معرفة نتيجة الحرب الدائرة في إيران حاليًا، والتي اندلعت شرارتها في 28 فبراير الماضي، فالأزمة لا تزال سائلة والمفاجآت واردة على كل جبهة.
تأثيرات الحرب الإيرانية تتجاوز الحدود العسكرية لتشمل الاقتصاد العالمي
تمتد تبعات هذا الصراع لتطال الاستقرار المالي العالمي، حيث تهدد الاضطرابات برفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، مما قد يدفع بموجة تضخم جامحة عبر الاقتصادات الهشة، ويعطل سلاسل الإمداد الحيوية، ويهدد بفقدان مئات الآلاف من فرص العمل في منطقة تعتمد بشكل كبير على الاستقرار الاقتصادي.
المشاهد المؤثرة في المشهد الراهن
تتعدد المشاهد المؤثرة التي ترسم معالم هذه الأزمة المعقدة، والتي تشمل:
- حدث العقد: تشكل حرب إيران الحدث الأكبر عسكريًا وسياسيًا خلال العقد المقبل، فهي ليست صراعًا بين قوة إقليمية كبيرة فحسب، بل تخوضها الولايات المتحدة، القوة العظمى في العالم، مباشرةً، بهدف إحداث تغيير جوهري في بنية الشرق الأوسط أو خريطته، وفقًا لتصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
- اتساع نطاق المواجهة: منذ اندلاعها، بدأت الحرب كبيرة ولم تبقَ داخل الحدود الإيرانية كما كان متوقعًا، بل لامست شظاياها وصواريخها كل دول الخليج، حيث استمرت إيران بقصف الرياض والإمارات والبحرين والكويت وقطر وعُمان، كما طالت عشرات الصواريخ والمسيرات الأراضي الأردنية.
- غموض الموقف الدولي: حتى اللحظة، لم يظهر للعلن سوى ثلاث قوى فاعلة: أمريكا وإسرائيل وإيران، بينما لا يزال موقف القوى الكبرى الأخرى، وتحديدًا روسيا والصين الحليفتين التقليديتين لطهران، مجهولاً، مما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان الصمت سيدوم أم ستحولان إيران إلى أفغانستان جديدة لأمريكا، خاصة في حال اتخذ الرئيس ترامب قرارًا بالتدخل البري المباشر.
- ثبات النهج الإيراني: ظلت الجمهورية الإسلامية، التي تحمل إرثًا يزيد عن أربعة عقود منذ ثورة 1979، متمسكة بخطابها ونهجها دون تطوير يذكر، حيث اتسمت بالعدائية منذ البداية، وتبنت استراتيجية المد الثوري ومشروع الهلال الشيعي لتطويق دول المنطقة والوصول من الخليج إلى المتوسط، وهو ما تحقق جزئيًا قبل سقوط نظام بشار الأسد واغتيال حسن نصر الله، مما سمح لطهران بتعزيز نفوذها.
وتشكل هذه النقطة محور خلاف كبير، فبين المؤيدين والمعارضين جذريًا لإيران، ثمة إجماع على رفض استبدال الاستعمار التاريخي بوصاية جديدة، كما أن تجاوزات طهران وسعيها للسيطرة على العواصم العربية قد أثبتت فشلها الذريع، وكان لها دور محوري في إشعال نيران الفوضى والتمزق بالمنطقة، حيث تقدم سوريا واليمن ولبنان والعراق نماذجًا صارخة للتبعات الكارثية لهذا النفوذ.
الأسئلة المصيرية المطروحة
- تغيير الخريطة: هل ستؤدي حرب إيران إلى تغيير حاد وجذري في خريطة الشرق الأوسط، لتبدأ صفحة جديدة من اتفاقيات قد تشبه سايكس بيكو؟ الإجابة لا تزال معلقة على تطورات الأيام القادمة.
- المصير الداخلي لإيران: هل ستخرج إيران من هذه الحرب دولة موحدة وقوية كما دأبت على الظهور، أم أنها في طريقها إلى التفكك والدخول في دوامة فوضى قد تعيد إليها أمراض الربيع العربي التي لم تندمل بعد، لتنعدم معها فرص الاستقرار تحت نظام أو قيادة جديدة؟ هذا السؤال أيضًا ينتظر إجابته من ساحة المعركة.
- مستقبل العلاقات الإقليمية: هل من الممكن أن تعود العلاقات بين إيران وجيرانها الخليجيين إلى سابق عهدها، أم أن قصف العواصم والمدن الحيوية مثل دبي والرياض والكويت والبحرين وقطر، واستهداف المطارات والفنادق ومصافي النفط، قد دمر جسور الثقة إلى غير رجعة، لتبقى العلاقات متدهورة وينعدم الأمان الإقليمي؟
التعليقات