إن المشهد الراهن ليس مجرد منافسة رياضية أو صراع مؤقت ينتظر الجمهور فيه لحظة الفوز أو الخسارة، نحن أمام حرب شاملة تلتهم الأخضر واليابس، وتستنزف الأرواح والأموال، وهي معقدة الأبعاد وتتقاطع فيها تخصصات متنوعة، مما يستدعي تدخل الخبراء لتحليل ثغورها، لذا ينبغي تجاود عقلية المشاهد المتعجل، والاعتماد على المنهج الإسلامي الاعتباري لسبر أغوار ما يقع في نطاق تخصصك، عسى أن يكون في ذلك فائدة وبلاغ لأمتك قبل أن تدور الدوائر على أقوام غافلين.

لقد أثبتت الوقائع في خضم هذا الصراع -من منظور شرعي- أن سر صمود الفئة الأقل عدّة وعديداً، وثبات جبهتها الداخلية أمام وطأة الدمار حتى اللحظة، يكمن في رباط العقيدة الجامع بين أفرادها، والاعتزاز الراسخ بالهوية الوطنية الذاتية، بغض النظر عن موقفنا -نحن أهل السنة والعرب- من التقييم الموضوعي لطبيعة تلك العقيدة أو درجة صحتها.

لكن النظر الفقهي يفرض علينا البحث في فقه مصادر القوة الهيكلية، واستكشاف دور “الهوية” و”الانتماء” كعوامل قوة معنوية تعوّض النقص في الموارد المادية، وهو ما يُعرف في علم الاجتماع بـ “العصبية” كما وصفها ابن خلدون.

الهوية والعقيدة: درع الأمة الذي لا يتصدع

تشكل الهوية الوطنية والعقيدة الدينية معاً نسيجاً مترابطاً كالروح والجسد، لا يستقيم أحدهما دون الآخر، وكلاهما يرفض أي بديل غريب أو دخيل، وإلا انتفضت بقية مكونات المجتمع لطرده مهما بدا مشابهاً، ولعلني هنا لا أوضح أيهما الروح وأيهما الجسد -عن عمد- ولا الخلاف الدائر بيننا في هذا، بيد أن كليهما يعتمد على الآخر ويأبى الانسحاق أمام العدو الديني أو الوطني، ويرفض ذلة العيش بعقيدة مختلفة أو في تيه الخواء المطلق بلا عقيدة أو وطن.

ومن هنا يتضح لكل ذي بصيرة لمصلحة من تعمل تلك المعاول التي تهدم حصون العقيدة الإسلامية، سواء عبر الذوبان في “الآخر” أو الهدم المباشر أو التشكيك في صلاحية الإسلام، سعياً لتفكيك الهوية الدينية، وكذلك شأن من يمزقون نسيج الهوية الوطنية، وينشرون سموم اليأس والقنوط في النفوس لإحداث التفكك النفسي الذي يمهد لاختراق العدو للمجتمع ثقافياً وفكرياً.

فيتضح لكل ذي فقه أن هذا الصنيع ليس إلا فصلاً من فصول تفتيت قوة المجتمع في ساحات الوغى، تمهيداً لطريق الهزيمة والانهيار، وأجل بصرك -إن شئت- في تلك الأمم التي استهانت بحصونها، فسمحت بتفكيك عقيدتها وهويتها الذاتية، وأصبحت تابعة لعدوها في ثقافته ولغته، متساهلة في أمر دينها باعتباره شأناً هامشياً شخصياً بين العبد وربه لا يضر أحداً غيره، زلفى لأعدائها واستجابة لضغوطهم، أو بحثاً عن مصالح شخصية مؤقتة.

فماذا كان مصيرها؟ لقد ابتلعها العدو في نهاية المطاف بيسر وسهولة، ووجد أمامه شعوباً مقبلة على الخزي بكل بلاهة، فالهوية الدينية والوطنية ليستا مسألتين هامشيتين، كما يزين الشيطان ويوسوس الخونة.

إننا يجب أن نقف طويلاً -كعلماء وفقهاء- أمام “التركيب الوظيفي لهذه الظاهرة” بالفهم والتحليل لدراسة أمرين:
١- كيفية عمل “الإيمان” كلاصق اجتماعي يمنع الأفراد من الت