تمثل ليلة القدر لحظة ارتقاء الجسد نحو الروح بعد شهر من تهذيب الشهوات في رمضان، وهي ليلة يدركها من صفت نفسه من الغل والحقد والحسد، قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ).
ليلة الحق ونزول القرآن
إنها ليلة الحق التي نزل فيها القرآن ليفرق بين الحق والباطل ويهدي الناس إلى الصراط المستقيم، قال الله تعالى: (حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ).
إن من يحرم خير هذه الليلة المباركة فقد حرم خيراً كثيراً، لذا يجب على الجميع إدراكها والحرص على حب الله ورسوله، والمبادرة بالخير والعبادة ولو كانت يسيرة، بينما يحرم خيرها المتغافل عن عبادة ربه، والتحري لا يكون إلا من خلال الحرص والسعي على طريق النجاة الذي يمثل أول طريق السلامة والأمان.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ).
روايات في تحري ليلة القدر
وروي أيضًا عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني رأيت في النوم ليلة القدر، كأنها ليلة سابعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي لَيْلَةِ سَابِعَةٍ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا مِنْكُمْ فَلْيَتَحَرّهَا فِي لَيْلَةِ سَابِعَةٍ) مصنف عبد الرزاق.
كما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) سنن سعيد بن منصور.
إن من يدرك ليلة القدر يجب أن ينقي قلبه من الحقد والحسد والغل، فأول من يجني على نفسه في الدنيا من جعل قلبه أسيراً لهذه الصفات، فهم حرموا الخير ومنعوا العفو وحرقت قلوبهم لأن الله واسع الكرم.
ليلة الحياة والعفو
فهي ليلة الحياة لمن أحياها بالقيام والدعاء وقراءة القرآن والصدقة وحب الخير للناس وحب الله ورسوله والصالحين، قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: (قولي: اللهم، إنك عفو تحب العفو فاعف عني) رواه الإمام أحمد في مسنده.
كما أنها ليلة العفو والجزاء من جنس العمل، فمن أحب الله ورسوله أحبه الله ورسوله، ومن أحب الصالحين صار منهم أو شفعوا له، ومن عفا عن الناس عفا الله عنه، فقال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ) [هود: 15]، كونوا عباد الله كما أرادكم الله لكم، فمن نظر الله إليه لم يعذبه، فاجعلوا أنفسكم محل نظر الله، قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: عظني وأوجز، قال: أتق الله حيث نهاك، وأن يراك حيث أمرك.
التعليقات