ليالي شهر رمضان لا تُقاس بعددها، بل بقدرتها على إعادة ترتيب الداخل، كأنها تمرّ على القلب مرور العارف فتُخفّف عنه ما تراكم فيه، وفي هذا الهدوء الذي يُحيط بالروح تبرز نعمٌ قديمة في أصلها متجددة في أثرها، ومن بينها نعمة الأزهر الشريف، ذلك الامتداد الذي لم يحفظ النصوص فحسب بل حفظ طريقة النظر إليها، وحال دون أن يتحوّل الدين إلى عبءٍ على النفوس.

وليس من القليل أن يظلّ هذا الصرح قادرًا على تقديم نماذج بشرية تُجسّد هذا المعنى، أئمة يتجاوز حضورهم حدود المعرفة إلى الفهم، ويُحسنون اختيار الكلمة وموضعها في زمنٍ صارت فيه الكلمة إمّا صاخبة أو غائبة.

الإمامة بين المنبر والحياة اليومية

لا تقتصر رسالة الإمام على الخطبة والصلاة، بل تمتد إلى سلوكه اليومي وتعامله مع الناس، حيث يصبح قدوة عملية تُترجم الكلمات إلى أفعال، وهذا الجانب التطبيقي هو ما يمنح الدين حيويته ويجعله قريبًا من هموم الناس وقلوبهم، فالإمام الناجح هو من يبني جسورًا من الثقة والطمأنينة تتجاوز حدود المسجد.

ومن بين هذه النماذج، وخلال أكثر من ليلةٍ في رمضان، صلّيت خلف الشيخ محمد فوزي، إمام وخطيب مسجد طارق بن زياد بمدينة الشروق، وباحث دكتوراه، حضوره هادئ وقريب من النفس، يترك للمعنى أن يصل دون تكلّف، ويدور حديثه غالبًا حول الجنة، يقدّمها كوجهةٍ تبدأ من تفاصيل بسيطة في يوم الإنسان، لا كأمرٍ مؤجّل بعيد.

هذا القرب لم يكن في الكلام وحده، بل كان ممتدًا إلى التفاصيل الصغيرة التي قد تمرّ دون انتباه، كان يتوقّف مع الأطفال، يشرح لهم الوضوء في هدوءٍ وصبر، كأنه لا يعلّمهم حركةً عابرة، بل يضع في داخلهم أول خيطٍ يصلهم بالصلاة، وفي السحور، كان بين المعتكفين واحدًا منهم، يكتفي بالقليل، ويترك الباقي لغيره، في سلوكٍ بسيطٍ يخلو من أي محاولة للظهور.

وربما هنا تتضح الفكرة، فالإمام لا يُعرف أثره بما يقوله على المنبر وحده، وإنما بما يتركه من صورةٍ في نفوس من حوله، صورةٌ أقرب إلى الطمأنينة، بعيدة عن التعقيد، بسيطة في ظاهرها وعميقة في معناها.