في شعر الحب الإلهي العربي إشراقات وشطحات وكلام لا يقال، ولكن الحب صادق، لم يكتمه الحلاج فمات، وكتمه آخرون أو اكتفوا بالتلميح دون التصريح، فعاشوا مدتهم على الأرض في سلام نسبي.
ترتفع بين أمهات الكتب في المكتبة الإسلامية الخالدة أهم المراجع الروحية للمشرب الصوفي المتدفق، ديوان ابن الفارض، للشاعر الصوفي الشهير عمر بن علي بن مرشد الحموي الأصل، المصري المولد والوفاة (576هـ – 632هـ / 1181م – 1235م)، المعروف بابن الفارض، وكنيته أبو حفص، ولقبه شرف الدين، ويشتهر بلقب سلطان العاشقين، وهو من أعظم شعراء التصوف في التاريخ الإسلامي، وأشعر المتصوفة على الإطلاق، ولد في القاهرة لأبٍ قدم من حماة في سوريا واستقر في مصر، حيث عمل كفارضٍ للحقوق الزوجية وفروض المواريث.
جاء هذا الديوان عبارة عن قصائد متناسقة في الحب الإلهي وقواطع النفس وإشراقات الروح وأحوال السير والسلوك إلى حضرة ملك الملوك، يحكي رحلة سائر تراه أحياناً يشدو بالوصال والقرب، وأحيانا أخرى يئن أنين ثكلى من الصد والهجران.
وإن كانت هذه الأبيات تطلق في اصطلاح أهل اللغة والأب على أنها أشعار، إلا أنها في لغة أهل التصوف تسمى مواجيد قلبية، وتعني ما يرد على القلب من واردات وفيوضات ربانية من تجليات الحضرة القدسية، وهذا حال لا يقع إلا لأهل العشق الرباني من العارفين.
رحلة روحية بين الفناء والبقاء
كان عمر بن الفارض عارفاً ربانيّاً كبيراً، وكانت روحه المتعطشة إلى الوصال تشرب من خمرة التجلي فتسكر، ثم تهيم مغردة مرفرفة بين عالمي الفناء والبقاء، الفناء عما سوى الله والبقاء بالله جل في علاه، وكانت روحه في حالة تطواف دائم لا ينقطع، فتراها تحلق مرتفعة في سماء الطهر حيث ترتفع أرواح المقربين وأحلام الشعراء وشطحات المتصوفين، وما تلبث أن تعود تلك الروح الهائمة لتتفاجأ بالإفاقة من عالم السكر المطلق لتعود إلى العالم المحسوس، وهو ما يسمى في لغة المتصوفين الصحو بعد المحو، لتترجم بعد هذه الرحلة الفياضة ما وقع لها من تجليات وما رأته من أنوار وجذبات.
عاش ابن الفارض بعيداً عن الناس، مقبلاً على ربه في المساجد المهجورة حيث كان يعمرها بالذكر والعبادة، خاصة في أطراف جبل المقطم، هذا المكان العريق الذي قيل إن أحجاره نزلت من الجنة، بين وديان المقطم وسهوله وجد ابن الفارض حاله مع الله حيث جمال الطبيعة وهدوئها والبعد عن الناس وصخبهم.
رحلته إلى مكة والعودة إلى مصر
عقد العزم شاداً للرحال إلى مكة المكرمة حيث بيت الله العتيق المفعم بالجلال الأقدس، وبعد أن انتهى من طوافه بالبيت أقام في عزلة بوادٍ بعيد عساه يحظى بقرب رب البيت، هناك نظم أغلب أشعاره الصوفية الرصينة، ليعود إلى مصر بعد غياب دام خمسة عشر عاماً، فأقام في قاعة الخطابة بالأزهر الشريف وكان مقصداً للزوار من شتى أرجاء المعمورة، حتى أن الملك الكامل كان يزوره ويجلس بين يديه.
عُرف بجمال الخلق وحسن الهيئة، فكان ذا وجه مشرب بالحمرة، جميل الوجه، جمال يأخذ بالألباب، مهابا، جل حاله التبسم إلا أن يأخذه حال الشوق فيصيح بالبكاء والصراخ، كان رحمه الله فصيح اللسان، لين العشرة، كريم السجية، وكان مولعاً بمظاهر الجمال أينما حلت ووجدت.
كان دائم إخفاء حبه للذات العليا، ورغم هذا كله كانت الدموع تكشف ما استتر من حاله، وهذا ينكشف لنا جلياً في قوله:
أُخفِي الهَوَى وَمَدَامِعِي تُبْدِيهِ
وَأُمِيتُهُ وَصَبَابَتِي تُحْيِيهِ
وَمُعَذِّبِي حُلْوُ الشَّمَائِلِ أَهْيَفٌ،
قَدْ جمعتْ كلُّ المَحَاسِنِ فِيهِ
بينما تراه يتوسل إلى السادة من أهل البيت والصالحين أن يتعطفوا.
التعليقات