جاءت زيارة الرئيس السيسي لكل من قطر والإمارات والبحرين والسعودية حاملة رسائل قوية في ظل الظروف الخطيرة التي تمر بها المنطقة، ولم تكن مجرد رسالة تضامن تقليدية، فمصر، من منطلق مكانتها التاريخية ورغم ظروفها الداخلية الصعبة، تبقى الدولة العربية الوحيدة المؤهلة للعب دور الوسيط النزيه لإنهاء الحرب المستعرة التي لا يخرج منها منتصر.
لنضع الأمور في نصابها الصحيح، لقد شهدت المنطقة مؤخراً حالة من التوتر الشديد، حيث تحولت معادلة الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى اختبار حقيقي لمفهوم البقاء في الشرق الأوسط، وفي خضم هذا الضباب والضجيج الإعلامي المشوش، برز صوت واحد واضح وموقف ثابت يستند إلى الثقل التاريخي قبل القوة العسكرية، وهو الموقف المصري الذي تجسد في التحرك الدبلوماسي الرئاسي الأخير.
جولات دبلوماسية في توقيت بالغ الحساسية
لم تكن الجولات الخارجية للرئيس السيسي التي شملت السعودية والإمارات وقطر والبحرين مجرد زيارات بروتوكولية روتينية، بل كانت عملية بناء لجبهة داخلية عربية متينة استعداداً لمواجهة العواصف الإقليمية، إذ تدرك القيادة المصرية أن أي تهدئة حقيقية لن تتحقق دون توافق عربي مشكل يحمي ظهر أي مبادرة سلام، وهذا ما حدث عندما تجمعت الخيوط في يد القاهرة لتوصل رسالة واضحة لواشنطن وطهران مفادها أن القرار العربي موحد، ولن تفرض حرب من الخارج تجر دول الخليج إليها ليتحول الصراع إلى مواجهة مفتوحة تلتهم الرخاء والاستقرار الذي تنعم به تلك الدول.
وبالنظر بعيداً عن الخطابات الإنشائية، نجد أن الدور المصري في هذا الملف يعمل على فك تشابك المصالح المتضاربة، فلدى الولايات المتحدة حساباتها الاقتصادية والانتخابية والاستراتيجية، ولدى إسرائيل هوس ديني تاريخي يدفعها لاختبار حدود الصبر الدولي، بينما تلعب إيران لعبة النفوذ الإقليمي التي قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة، وفي وسط هذه المعضلة المعقدة، كانت مصر صمام الأمان الوحيد القادر على الترجمة بين كل هذه اللغات المختلفة، ليس فقط لأنها تمتلك قوة عسكرية، بل لأن قادتها العسكريين يدركون أن الحرب الشاملة لا تخدم مصلحة أي طرف، حتى أولئك الذين يعتقدون أنهم قد يربحون منها.
التحديات الخفية والموقف المصري الثابت
واجه الرئيس السيسي في تحركه الدبلوماسي تحدياً حقيقياً يتمثل في السير في طريق شائك مليء بالعقبات غير المرئية، حيث واجه ضغوطاً أمريكية تريد حلاً سريعاً حتى لو كان على حساب الاستقرار طويل المدى، وتعنتاً إسرائيلياً أغلق كل الأبواب، وحسابات إيرانية تلعب على حافة الهاوية، وسط كل هذا، قرر القائد المصري الوقوف في المنتصف وحمل عبء التهدئة، مما يعني أنه وضع ظهر مصر على النار لحماية الظهر العربي كله، وهو موقف محفوف بمخاطر الفشل التي قد تكلف البلاد ثمناً باهظاً، لكن الشجاعة الحقيقية تظهر في اللحظات التي تكون فيها المخاطرة مصيرية وليست مجرد حسابات سياسية باردة.
لقد حمل توقيت تلك الزيارات، قبيل وبعد عيد الأضحى، رسالة مشفرة لكل من يلعب بالنار، حيث تضمن دلالة نفسية وسياسية في آن واحد، إذ استغل روحانية الوقت لإرسال رسالة مفادها أن الدم حرام، وأن المنطقة بحاجة إلى هدنة حقيقية وليست مجرد وقف لإطلاق النار مؤقت، والتهدئة التي تسعى مصر لتحقيقها ليست عصاً سحرية ستنهي كل الصراعات بين ليلة وضحاها، لأن الطريق لا يزال طويلاً والعقبات كثيرة، لكن ما تم إنجازه يمثل تثبيتاً للأقدام ومنعاً للانزلاق نحو المجهول، والمستقبل القريب سيكشف عما إذا كان هذا الجهد سيتحول إلى اتفاق أمني إقليمي جديد أم لا، لكن الرؤية تؤكد أن مصر تحاول، على الرغم من كونها دولة متضررة من تبعات الحرب.
التعليقات