في مقهى بالقاهرة، يتابع صاحب محل مواد غذائية نشرات الأخبار بقلق، فأسعار السلع على بوابة محله تتغير مع كل تطور في جبهات القتال، هذا المشهد المعبّر لا يعكس فقط هموم مواطن، بل يعكس واقعًا اقتصاديًا أوسع وأكثر تعقيدًا، فمع مطلع مارس 2026، لا يجد الاقتصاد المصري نفسه أمام اختبار وجودي هو الأصعب في تاريخه التنموي الحديث فحسب، بل يجد نفسه وقد وقع مباشرة على خط التماس لصراع إقليمي شامل، في مشهد دراماتيكي، تصطدم طموحات “رؤية 2030” بصخرة واقع جيوسياسي مضطرب، بعد أن تحولت المواجهة العسكرية التي اندلعت في 28 فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، من مجرد “صدمة خارجية” عابرة إلى “متغير هيكلي” يعيد تشكيل أولويات الدولة المصرية، فبسبب موقعها الاستراتيجي وارتباطها الحيوي بممرات الملاحة وسلاسل الطاقة، تجد مصر نفسها في قلب عاصفة لا ترحم.

هذه العاصفة لم تأت فارغة، بل حملت معها ملامح “مثلث ضغوط” يخنق الاقتصاد من كل اتجاه: قفزة هائلة في تكاليف التأمين والشحن البحري، وتذبذب عنيف في أسعار الطاقة وعودة شبح التضخم المستورد بقوة، فبعد أن كان التضخم قد تباطأ إلى 11.9% في يناير 2026، تشير توقعات شهر مارس إلى قفزة جديدة وحادة، مدفوعة بارتفاع أسعار النفط العالمية التي تجاوزت حاجز المئة دولار، وقد دفع هذا الوضع الحكومة والبنك المركزي إلى تبني سياسات نقدية ومالية استثنائية لاحتواء الصدمة وضمان استقرار الأسواق المحلية، وهي سياسات قد تنذر بالتوجه نحو رفع أسعار الفائدة من جديد.

الاستراتيجيات الدفاعية تواجه العاصفة الجيوسياسية

في مواجهة هذه التحديات غير المسبوقة، تتحرك الدولة المصرية عبر مسارات متوازية، فهي لا تدير فقط تداعيات الأزمة الآنية، بل تعمل على تحصين الاقتصاد من الصدمات المستقبلية، حيث تجمع استراتيجية الاستجابة بين الإجراءات التكتيكية السريعة لضمان تدفق السلع الأساسية، والإصلاحات الهيكلية طويلة الأمد لتعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر النمو، مما يخلق حاجزًا واقيًا بين المواطن وتقلبات السوق العالمية المتطرفة.

وتأتي الضربة الأكثر إيلاماً للاقتصاد المصري من جهة البحر الأحمر، فبعد بصيص أمل تمثل في تعافٍ نسبي لإيرادات قناة السويس، التي بلغت 449 مليون دولار خلال أول شهرين من العام، جاء التصعيد العسكري ليعصف بهذا التحسن، فقد أدى التوتر إلى تجميد شبه كامل لخطط عودة الخطوط الملاحية الكبرى إلى البحر الأحمر، وفرض “علاوة مخاطر” باهظة على السلع الأساسية، وهنا تبرز الخسائر الفادحة التي منيت بها القناة -والتي قدرها الرئيس السيسي بنحو 10 مليارات دولار خلال السنوات الأخيرة نتيجة توترات البحر الأحمر- لتتفاقم أكثر في ظل العاصفة الحالية.

وإذا كانت القناة تمثل الشريان الحيوي للتجارة، فإن المعركة الشرسة على جبهتي العملة والأسعار تمثل اختباراً للثقة في الاقتصاد ذاته، فمع لجوء المستثمرين الأجانب إلى البحث عن ملاذات آمنة وخروجهم من الأسواق الناشئة، سجل الجنيه المصري ضغوطاً متزايدة مع مطلع مارس، وهنا برز الاحتياطي النقدي الأجنبي كدرع الحماية الأقوى، والذي كان قد قفز إلى 52.745 مليار دولار في فبراير 2026، مدعوماً بتدفقات كبرى مثل صفقة “رأس الحكمة”، هذا الدرع مكّن البنك المركزي من امتصاص صدمة خروج “الأموال الساخنة” والحيلولة دون حدوث تقلبات جامحة في سعر الصرف، كما ساهم في تلبية احتياجات البلاد الملحة من الطاقة والغذاء في ظل الأزمة العالمية.

ورغم الخسائر الفادحة التي منيت بها القناة، والضغوط على العملة، تمتلك مصر اليوم مفاتيح استراتيجية صلبة وتكتيكات دفاعية مرنة أحدثت فرقاً ملموساً على الأرض، ففي إطار “التحوط السيادي”، فعّلت الدولة منظومة خطط طوارئ وطنية شاملة لتأمين الاحتياجات الأساسية بمعزل عن تقلبات السوق الفورية، ويتجلى ذلك بوضوح في قطاع الطاقة، حيث تم احتواء صدمة اضطراب الإمدادات عبر تشغيل محطات غاز مسال عائمة بقدرة 2 مليار قدم مكعب يومياً، مع تأمين 20 شحنة إضافية من الغاز المسال كاحتياطي استراتيجي، وهذا الإجراء ضمِن استقرار الصناعة المحلية ومنع عودة انقطاعات التيار الكهربائي، ذلك ال…