في كل عام، ومع حلول الثامن من مارس، يتوقف العالم للحظة ليتأمل نصفه الآخر، يوم المرأة العالمي ليس مجرد مناسبة رمزية تُرفع فيها الشعارات، بل هو فرصة إنسانية عميقة للتفكير في رحلة طويلة قطعتها المرأة عبر التاريخ، رحلة مليئة بالتحديات والإنجازات، وبالإصرار الذي لا ينكسر.
المرأة ليست مجرد رقم في إحصاءات التنمية، ولا عنوانًا في خطابات رسمية، المرأة حكاية حياة كاملة، هي الأم التي تبني الإنسان قبل أن يبني وطنه، وهي المعلمة التي تفتح العقول على المعرفة، وهي الطبيبة التي تداوي الألم، وهي العاملة التي تشارك في صناعة المستقبل، وهي أيضًا صاحبة الحلم الذي لا يتوقف مهما تعثرت الطرق.
عندما نتأمل التاريخ، ندرك أن رحلة المرأة لم تكن سهلة أبدًا، عبر عقود طويلة كان على النساء أن يثبتن قدرتهن على العمل والعطاء في مجالات كثيرة لم تكن مفتوحة أمامهن في البداية، ومع ذلك لم تتوقف المحاولات، ولم تخفت الرغبة في المشاركة، كانت المرأة دائمًا حاضرة، حتى عندما حاولت الظروف أن تدفعها إلى الخلف.
تطور الدور من المشاركة إلى الشراكة الفاعلة
ومع مرور الوقت، تغيرت الصورة كثيرًا، لم تعد المرأة مجرد مشاركة في المجتمع، بل أصبحت شريكًا أساسيًا في صناعته، في السياسة والاقتصاد والتعليم والطب والبحث العلمي والثقافة والفنون، أثبتت النساء أن القدرة لا تُقاس بالنوع، وإنما بالإرادة والعمل والفرص المتاحة.
لكن الحديث عن المرأة لا يجب أن يكون حديثًا نظريًا فقط، فخلف كل قصة نجاح معروفة، هناك آلاف القصص غير المرئية لنساء عاديات يصنعن الفرق كل يوم في صمت، هناك امرأة تستيقظ قبل الجميع لتبدأ يومها بين مسؤوليات العمل والأسرة، وهناك أخرى تكافح لتعليم أبنائها رغم الظروف الصعبة، وهناك شابة تحاول أن تثبت نفسها في مجال جديد، متحدية الشكوك والقيود.
هذه القصص اليومية هي في الحقيقة جوهر يوم المرأة العالمي، فالمناسبة لا تخص النخبة فقط، ولا تقتصر على النساء اللواتي وصلن إلى المناصب العليا، إنها تخص كل امرأة اختارت أن تستمر، أن تحاول، وأن تؤمن بأن لها مكانًا في هذا العالم.
وربما يكون أجمل ما في الحديث عن المرأة هو ذلك البعد الإنساني العميق الذي يربطها بالحياة نفسها، فالمرأة لا تصنع النجاح لنفسها فقط، بل تنقله لمن حولها، عندما تتعلم المرأة، تتعلم أسرة كاملة، وعندما تعمل، تتحسن حياة مجتمع بأكمله، وعندما تُمنح الفرصة، يصبح المستقبل أكثر اتساعًا للجميع.
ومع ذلك، فإن الاحتفاء بالمرأة يجب ألا يتحول إلى مجرد كلمات جميلة في يوم واحد من العام، فالقيمة الحقيقية لهذه المناسبة تكمن في تحويل التقدير إلى واقع ملموس، واقع يفتح الأبواب أمام الفرص المتكافئة، ويعترف بقدرات النساء، ويمنحهن المساحة الكاملة للمشاركة في بناء المجتمع.
إن المجتمعات التي تقدّر دور المرأة لا تفعل ذلك بدافع المجاملة، بل بدافع الفهم العميق لحقيقة بسيطة: لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق تقدمه الكامل إذا ظل نصف طاقته معطلًا أو مهمشًا، فالمرأة ليست مجرد داعم للحياة الاجتماعية، بل هي عنصر فاعل في التنمية والاستقرار والتقدم.
وفي مصر، شهدت السنوات الأخيرة في عهد فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي حضورًا عظيماً للمرأة في مواقع القيادة والعمل العام، هذا الحضور لم يأتِ صدفة، بل جاء نتيجة تقدير كبير من القيادة السياسية لسنوات طويلة من الجهد والتغيير في الوعي المجتمعي والسياسات الداعمة لمشاركة النساء في مختلف المجالات.
لكن الأهم من كل ذلك هو التغيير في الصورة الذهنية، فاليوم لم يعد من ال
التعليقات