لا قيمة لفكر المفكر إن خلا من منهج إصلاحي ورؤية واضحة، وقصور عن استيعاب مستجدات الواقع، فالفكر الذي لا ينهض بحياة صاحبه ولا يهذب حياة الآخرين حوله يظل بلا طائل أو عائد.

من هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحة لتقديم رؤية إصلاحية، وهي اجتهاد شخصي تأسس على قراءات مستمرة، وخبرات متراكمة في التدريس والكتابة، ومشاركة في المؤتمرات والندوات، إضافة إلى مخالطة بني جلدتي ومعاشرتهم.

قد يتساءل البعض عن دافع الخوض في هذا الموضوع، والإجابة واضحة كالشمس في رابعة النهار لمن يريد الإصلاح الحقيقي، بينما تختفي عمن يغض الطرف عنها، فنحن بحاجة ماسة إلى تشخيص الداء بدقة لوصف الدواء الناجع.

رؤية للإصلاح الشامل: نحو بناء نهضة مستدامة

نسعى بجد لتحقيق نهضة شاملة وتنمية مستدامة، ولا يمكن بحال ادعاء الكمال أو اكتمال الأمور، فذلك تضليل للحقيقة، سواء بقصد أو بغير قصد، بل يجب الاعتراف بوجود سلبيات يمكن تذليلها بالتعاون والوقوف صفاً واحداً، ليس في مجال محدد بل في كل مفاصل الدولة حيث تنخر تلك السلبيات كالسوس.

بات من الملح التصدي بكل قوة لهذه الظواهر، والكشف عن أولئك الذين يبدون من طرف اللسان حلاوة ويروغون كما تروغ الثعالب، فئة ضالة تظن أنها تحسن صنعاً، بينما تعيث في الأرض فساداً، شغلهم الشاغل الوساطة والمحسوبية، فيوزعون الأدوار حسب الأهواء، ويضعون الشخص في غير مكانه، ويستبعدون من لا يروق لهم.

لذا، يجب كشف اللثام عن هؤلاء وتعريتهم أمام الرأي العام في كل المجالات، فمن غير المعقول لدولة بحجم مصر وبكيانها الذي أبهـر العالم، وتسعى وتحقق العالمية، أن تحتوي على أمثال هؤلاء.

من هنا، أمسكت بقلمي لأضع بين أيديكم تشخيصاً لهذا الداء غير العضال، فإذا أردنا نهضة حقيقية، فلن تقتصر على التعليم وحده، بل يجب أن تشمل كل مجالات الحياة: الاقتصاد، والتجارة، والصناعة، والسياسة، والثقافة، والصحة، باختصار كل مقومات الحياة المادية.

لكن النهضة لا تكتمل بالجوانب المادية وحدها، بل تحتاج إلى إعلاء الجانب الروحي الذي يجدد الطاقة ويحولها من سلبية إلى إيجابية، فالإنسان كالبطارية يحتاج إلى شحن مستمر، وهذه الطاقة تتجسد في العبادات والطاعات، وترويض النفس التي قد تقود صاحبها إلى التيه والضلال، فترويضها ضرورة كترويض الوحوش، بل هي أشد لأن التعامل يكون مع شيطان ماكر يتغلغل داخلك، إنها النفس الأمارة بالسوء.

إذا أردنا حقاً تحقيق هذه المعادلة، التي لا أظنها عصية أو صعبة أو رموزها مشفرة، فعلينا أن نبدأ من هنا.