يُجمع الكثيرون على أن الصمت يمنحنا مساحة للتأمل والتدبر، ويوفر فرصة ثمينة لصفاء الذهن والتخلص من ضغوط الضجيج، كما يوقف تدفق الرسائل المرهقة للوجدان بأنواعها، مما يحقق التوازن الداخلي ويصل بالإنسان إلى مرحلة الاستجمام وتفريغ الطاقات السلبية، بل ويجعل الفرد يعيش في حالة من السكينة والهدوء، لكن هناك من يرى أن تجاوز الصمت حده المعقول يؤدي إلى الانطواء ويُحدث صراعًا داخليًا يترك آثارًا مؤلمة، مما يجعل النفوس في حالة تكدير وعدم استقرار.

عندما يختار الصمت لفترات طويلة ويشرد الذهن في متاهات مجهولة، تصبح توقعات المستقبل غير مُرضية وتفتح أبواب سوء الظن، فتتحول تفسيرات أفعال الآخرين إلى سلبية بحتة، فلا مكان لليقين ولا أمل في قراءة ناقدة قائمة على الشواهد والأدلة، وبناءً على ذلك نتوقع لغة استهجان وطريقة تعسف ناتجة عن خبرات مريرة سابقة أو أفكار غير ناضجة أو مشوهة، لتصبح جميع الأحكام غير عادلة وتتجه الميول إلى الجانب السلبي، مما يزيد المسافات مع المحيطين دون استثناء.

الصمت المريب: جرس إنذار للعلاقات الإنسانية

عندما نلاحظ ضعفًا أو انقطاعًا في التواصل ورصد تغير في السلوك أو ملامح الانفعال، فإن هذه العلامات تُنذر بشيء خفي، مما يستدعي البحث السريع عن أسباب هذا الصمت المريب أو المخيف، فقد يعاني الفرد من صراع داخلي وتوتر وجداني يحاول إخفاءه بلغة الجسد، نتيجة لحيرة تنتابه أو شعور بخطأ فادح ارتكبه أو تعرضه لظلم قاسٍ، أو تردد في البوح بما يجول في خاطره، أو خشية من تبعات الكلام، مما يجعله يتجنب الخسارة أو النقد أو العقاب أو الوصول إلى خلاف مزمن مع الآخر.

أعتقد أن الصمت الناتج عن احتقان عاطفي يحمل عواقب يجب الحذر منها، فهناك من يعاني من حزن أو خيبة أو غضب ولا يستطيع التعبير عنه، فيلجأ إلى الكبت المرتبط حتمًا بالمشاعر، فلا نجد منه سوى تكرار الرفض والاختفاء وراء أسباب غير منطقية، وأحيانًا دون أي مبررات، وقد يصل به الأمر إلى تجنب المواجهة تمامًا، وما نتوقعه دون مواربة هو وقوع الإنسان في دائرة الاكتئاب بسبب ما يضمره عقده ويتجنب أن يعبر عنه لسانه.

أتخيل أن يتحول الصمت المريب إلى عاصفة تضر بالآخرين، حيث تتسع الفجوة ويستمر التباعد، مما يؤدي إلى فتور العلاقات بين الأصدقاء وتوتر الروابط بين زملاء العمل وتصدع الروابط الأسرية وتهشم الألفة بين الزوجين، إنها حالة مخيفة تؤكد ضعف الثقة وتشير إلى انفجار قد يحدث في أي وقت، أو انسحاب ناتج عن قرار غير مدروس، مما يجعلنا عاجزين عن تحديد ملامح المسار المستقبلي للصامت وما يفكر فيه وينويه.

نرغب في التخلص من الصمت المريب عبر بوابة العناية العاطفية، حيث نزيل الاحتقان ونبدد القلق ونعزز الثقة ونقوي المشاعر الإيجابية، ونعمل على تنمية التفكير المنتج واستثمار الطاقات والحد من مسببات الاضطراب المؤدية للإحباط أو الاكتئاب، دون تجاهل مطالب الجسد لتعمل الأجهزة الداخلية بكفاءة، حتى لا نصاب بوعكات صحية تزيد التوتر والخوف والقلق، ونسعى لنيل قسط من المتعة المستحقة التي تملأ الروح تفاؤلاً وتزودها بوقود الأمل والطموح والتطلع.

تعالوا بنا نتخلص من الجدران القاسية.