لم يكن قرار لجنة الانضباط بالاتحاد الإفريقي لكرة القدم مجرد إجراء إداري عابر، بل تفعيلاً لنصوص قانونية ولوائح تنظيمية وافقت عليها جميع الاتحادات الوطنية، فاللعبة لم تعد مجرد مهارة فوق العشب الأخضر، بل منظومة قانونية متكاملة تحكمها قواعد واضحة تبدأ من الانضباط السلوكي وتنتهي بحماية صورة المنافسة نفسها.
اللوائح تنص صراحة على عقوبات محددة في حالات الانسحاب أو التعطيل
إن لوائح الكاف — كما هو الحال في أنظمة الاتحاد الدولي لكرة القدم — تنص صراحة على عقوبات في حالات الانسحاب من المباراة أو تعطيلها أو رفض استكمالها، سواء كان ذلك انسحاباً كلياً أو جزئياً، فالمادة المتعلقة بـ«مسؤولية الفرق عن سير المباراة» تؤكد أن أي سلوك يؤدي إلى إفساد التنافس أو الإخلال بسلامة المسابقة يعرّض الفريق لعقوبات رياضية ومالية قد تصل إلى اعتبار النتيجة خاسرة أو الإقصاء أو الغرامات، وهذه ليست سابقة، إذ سبق تفعيل هذه النصوص في حالات متعددة عبر تاريخ الكرة الإفريقية وحتى في مسابقات دولية، حين اختارت بعض الفرق الاحتجاج بأساليب ميدانية بدل اللجوء إلى المساطر القانونية.
قراءة القرار في سياقه القانوني وليس العاطفي
يجب قراءة القرار الأخير في سياقه القانوني قبل العاطفي، فالغرض منه ليس ترجيح كفة فريق على آخر، ولا الانتقام من دولة أو اتحاد، بل إعادة الاعتبار لمنطق القانون داخل الفضاء الكروي الإفريقي، فالرياضة التي تفقد مرجعيتها التنظيمية تتحول سريعاً إلى ساحة فوضى، حيث تُستبدل روح المنافسة بثقافة الضغط والانسحاب والمشاحنات، وهو ما أضرّ بصورة الكرة الإفريقية لعقود طويلة، سواء عبر جدل التحكيم أو شبهات الرشاوى أو مظاهر العربدة في الملاعب.
ولا يجادل منصف في أن وصول الفريقين إلى النهائي كان ثمرة استحقاق رياضي حقيقي، فقد أظهرت البطولة — كما في بطولات سابقة — أن منطق التطور الكروي يفرض نفسه، وأن الفرق التي لم تعد قادرة على مجاراة النسق العالي للمنافسة تجد نفسها خارج الصف الأول، وهذا قانون طبيعي في الرياضة كما في الاقتصاد والسياسة: التقدم لا ينتظر المترددين.
لحظة مفصلية أمام الاتحاد الإفريقي لتعزيز الحوكمة الرياضية
اليوم، يقف الاتحاد الإفريقي أمام لحظة مفصلية: إما أن يُفعّل اللوائح بصرامة ويبعث رسالة واضحة بأن زمن الفوضى قد انتهى، أو أن يترك الباب مفتوحاً لممارسات تسيء إلى سمعة القارة وتكرّس صورة نمطية عن ضعف الحوكمة الرياضية فيها، إن تنفيذ القوانين المتفق عليها هو المدخل الوحيد لبناء كرة إفريقية محترفة قادرة على المنافسة عالمياً، لا مجرد إنتاج بطولات مثيرة للجدل.
ومن المؤسف أن بعض الخطابات التي سبقت البطولة غذّت ما يمكن تسميته بـ«فوبيا التفوق المغربي»، في وقت أثبتت فيه التجربة أن الاستثمار في البنية التحتية والتنظيم والاحترافية يمكن أن يرفع مستوى القارة بأكملها، فتنظيم المغرب لبطولات كبرى، وتألق أنديته قارياً، وإنجاز المنتخب في مونديال 2022، كلها محطات لم تكن نجاحاً وطنياً فقط، بل رافعة معنوية لصورة إفريقيا في كرة القدم العالمية، بل وأسهمت موضوعياً في تعزيز حضور القارة داخل المنظومة الكروية الدولية.
غير أن التنافس الرياضي يجب ألا يتحول إلى توتر بين الشعوب، فالسنغال — كما باقي دول إفريقيا — شريك تاريخي وثقافي للمغرب، وروابط الأخوة بين الشعوب أعمق من لحظات انفعال تُضخّمها منصات التحريض والضجيج الرقمي، الرياضة وُجدت لتقريب المسافات لا لتوسيعها، ولتعليم الأجيال معنى الفوز النظيف والخسارة الكريمة.
إن رسالة هذا القرار، في جوهرها، تتجاوز مباراة أو لقباً، إنها دعوة صريحة لكل الفرق والاتحادات إلى الاحتكام إلى القانون بدل البل.
التعليقات