إنَّ هذا التدفقَ النورانيَّ الذي نشهدهُ عبرَ “دولةِ التلاوةِ” برهانٌ ساطعٌ على أنَّ مِصرَ كانتْ وستظلُّ المبتدأَ والخبرَ في سجلِ الخلودِ الروحيِّ، إذْ يعززُ استنهاضُ هذهِ الروحِ في النفوسِ الانتماءَ العميقَ لوطنٍ لمْ يكتفِ بصناعةِ التاريخِ الماديِّ المصبوبِ في الحجرِ، بلْ صاغَ وجدانَ الإنسانيةِ بآياتِ اللهِ المسطورةِ في القلوبِ، حتى غدتْ جدرانُ مآذنِها وأصواتُ قرائِها معراجاً ترتقي بهِ الأرواحُ إلى ملكوتِ الصفاءِ، وينبثقُ الانتماءُ الحقيقيُّ منْ وعيِ المصري بأنَّ أرضَهُ هيَ “أرض العلمِ والإيمانِ”، وهيَ البقعةُ المباركةُ التي تزاوجَ فيها نورُ الوحيِ معَ ضياءِ الفكرِ، فأنتجتْ حضارةً شامخةً تعتني ببناءِ الإنسانِ وضميرِهِ معَ تشييدِ البنيانِ.
التلاوة جسرٌ إلى الهوية والريادة
وحينَ يرى الشابُّ المصريُّ جلالَ التلاوةِ يُحتفى بهِ في صدارةِ المشهدِ، يدركُ يقيناً أنَّ ثقافتَهُ الهادفةَ حصنُهُ الحصينُ ضدَّ أمواجِ التغريبِ العاتيةِ ورياحِ الضياعِ، وأنَّ ريادتَهُ في هذا الميدانِ ليستْ مجردَ تشريفٍ، بل هيَ ميراثٌ مقدسٌ وأمانةٌ ثقيلةٌ تتناقلُها الأجيالُ، لتبقى الهويةُ المصريةُ نموذجاً فريداً يجمعُ بينَ عبقِ الأصالةِ وروحِ المعاصرةِ، فمِصرُ هيَ “دولةُ النورِ” التي تُبددُ ظلماتِ الجهلِ وتفتحُ للعالمِ آفاقَ المعرفةِ الربانيةِ واليقينِ القلبيِّ، وإنَّ هذا التلاحمَ الوجدانيَّ والريادةَ الثقافيةَ التي ترعاها الدولةُ، لتؤكدُ للعالمِ ملامحَ “دولةِ المؤسساتِ الروحيةِ” التي تتضافرُ فيها الجهودُ لتقديمِ مادةٍ إيمانيةٍ ترتقي بالذوقِ العامِّ وتغرسُ في الوجدانِ قيمَ الخيرِ والجمالِ، مما يجعلُ الجيلَ الجديدَ يشمخُ فخراً بانتسابِهِ لهذهِ الأرضِ، واثقاً في قدرةِ بلادِ المسلمينَ على استعادةِ صدارتِها الحضاريةِ ومكانتِها السامقةِ بينَ الأممِ.
الوحدة العضوية بين التلاوة والنهضة
إنَّ اقترانَ جلالِ التلاوةِ بآفاقِ النهضةِ العلميةِ تجسيدٌ لتلكَ الوحدةِ العضويةِ التي قامتْ عليها حضارتُنا الأولى، حيثُ كانَ المسجدُ والجامعةُ صنوينِ لا يفترقانِ، وكانتْ آياتُ القراءةِ والتدبرِ المحركَ الأولَ لعقولِ العلماءِ الذينَ فجروا ينابيعَ المعرفةِ في الطبِ والفلكِ والهندسةِ، فما كانتْ “دولةُ التلاوةِ” منزويةً عنْ “دولةِ العلمِ”، بل كانتْ هيَ الروحَ التي تسري في جسدِ البحثِ، تمنحهُ الغايةَ الساميةَ والبوصلةَ الأخلاقيةَ التي تمنعُ العلمَ منَ الطغيانِ أو الانحرافِ.
لبنة بناء عقل مؤمن
وإنَّنا اليومَ ونحنُ نحتفي بهؤلاءِ الفتيةِ الذينَ أوتوا مزماراً منْ مزاميرِ آلِ داوودَ، نضعُ اللبنةَ الأولى في بناءِ عقلٍ مؤمنٍ يدركُ أنَّ أولَ لفظٍ في وحيِ السماءِ كانَ “اقرأْ”، وهيَ دعوةٌ مفتوحةٌ لا تقفُ عندَ حدودِ تلاوةِ المسطورِ، بل تمتدُ لتشملَ قراءةَ المنظورِ في ملكوتِ السمواتِ والأرضِ، واستخراجَ أسرارِ المادةِ وتطويعَ ذراتِها لنفعِ البشريةِ وإعمارِ الكونِ بالحقِّ والعدلِ والجمالِ.
لذا فإنَّ الأملَ معقودٌ والرجاءَ موصولٌ بأنْ تتسعَ رقعةُ هذهِ الميادينِ الشريفةِ لتشملَ كلَّ فروعِ المعرفةِ الإنسانيةِ، فنرى مسابقاتٍ كبرى في الابتكارِ العلميِّ، والذكاءِ الاصطناعيِّ، والعلومِ الطبيةِ، توازيها في القيمةِ والاحتفاءِ مسابقاتُ الفقهِ وأصولِ الدينِ، ليتشكلَ لنا جيلٌ يقرأُ الوحيَ بقلبِهِ ويقرأُ الكونَ بعقلِهِ، ويقفُ على ثغورِ العلمِ والدينِ بوعيٍ شامخٍ وعزيمةٍ لا تلينُ، مؤكداً أنَّ ريادةَ مِصرَ
التعليقات