كثير من القضايا التي يناقشها العالم اليوم باعتبارها إنجازات حديثة، كانت قد حسمتها حضارات عريقة منذ قرون طويلة، وفي مقدمتها الحضارة الإسلامية التي أرست رؤية متكاملة لتكريم المرأة وصون كرامتها الإنسانية، وفي عالمٍ لا يزال يناقش قضايا إنصاف المرأة وحقوقها، تبدو العودة إلى التاريخ ضرورةً معرفية قبل أن تكون مجرد استدعاء للماضي، فهناك حضارة سبقت كثيرًا من مواثيق العالم الحديثة حين قررت منذ قرون طويلة أن المرأة ليست تابعًا للرجل، بل شريكًا له في الكرامة والمسؤولية وبناء الحياة، تلك الحضارة هي الحضارة الإسلامية التي أعادت للمرأة إنسانيتها الكاملة، ورفعت شأنها في وقتٍ كانت فيه أمم كثيرة تحرمها حق التعلم أو التملك أو المشاركة في المجتمع.
ومن هنا، فإن الاحتفاء العالمي اليوم بـاليوم العالمي للمرأة لا يدعونا فقط إلى الحديث عن حقوق المرأة في الحاضر، بل يدعونا أيضًا إلى قراءة صفحات مضيئة من التاريخ، تكشف كيف صاغ الإسلام رؤية متوازنة للمرأة تقوم على العدل والتكامل، لا على الصراع أو التنافس.
رؤية الإسلام المتكاملة للمرأة: بين النص القرآني والتطبيق التاريخي
لقد أرسى القرآن الكريم قاعدة إنسانية راسخة حين جعل الرجل والمرأة شريكين في أصل الكرامة والتكليف والاستخلاف في الأرض، وجعل معيار التفاضل بين البشر قائمًا على التقوى والعمل الصالح لا على الجنس أو النوع، ومن ثم فإن مكانة المرأة في التصور الإسلامي ليست منحة اجتماعية قابلة للأخذ والرد، بل حق أصيل قرره الوحي الإلهي، وأكده الواقع العملي للحضارة الإسلامية عبر قرونها.
فراسة المرأة وحكمتها في النص القرآني
ومن الشواهد القرآنية البليغة التي تكشف عن تقدير الإسلام لذكاء المرأة وفراستها ما ورد في قصة ابنتي النبي شعيب عليه السلام مع سيدنا موسى عليه السلام، حين قالت إحداهما لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: 26)، إنها كلمات قليلة في مبناها، عظيمة في معناها؛ فقد كشفت عن بصيرة نافذة وقدرة دقيقة على التقييم، إذ جمعت في عبارة موجزة بين معيارين أساسين لكل عمل ناجح: الكفاءة والأمانة، ومن هذه الفراسة الحكيمة بدأت قصة بيتٍ نبوي كريم، لتصبح تلك الفتاة زوجة لنبي من أولي العزم.
نماذج خالدة: هاجر وأم شريك
وفي صفحة أخرى من صفحات التاريخ الإيماني تبرز سيرة السيدة هاجر زوجة الخليل إبراهيم عليه السلام، تلك المرأة التي جسدت نموذجًا خالدًا في قوة الإيمان وصدق التوكل على الله، فقد تُركت في وادٍ غير ذي زرع امتثالًا لأمر الله، لكنها واجهت المحنة بقلب مطمئن وثقة راسخة، حتى تحولت قصتها إلى شعيرة خالدة في مناسك الحج والعمرة؛ فكلما سعى الحجاج بين الصفا والمروة، وكلما شربوا من ماء زمزم، استحضروا في وجدانهم صورة تلك الأم المؤمنة التي علمت الإنسانية معنى الصبر والرجاء.
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13)، هذه القاعدة القرآنية الجامعة تؤكد أن ميزان الكرامة في الإسلام لا يقوم على الذكورة أو الأنوثة، بل على التقوى والعمل الصالح؛ وهو ميزان عادل يتجاوز الاعتبارات الشكلية ليقيم الإنسان بعمله وقيمه.
ولم يكن حضور المرأة في المجتمع الإسلامي حضورًا رمزيًا أو هامشيًا، بل شاركت في الحياة الاجتماعية والعلمية، وشهدت كذلك لحظات تاريخية مفصلية، مما يؤكد المكانة الاجتماعية المهمة التي حظيت بها المرأة في المجتمع الإسلامي الأول، كما حفظت لنا كتب التاريخ نماذج مشرقة لنساء حملن رسالة الدعوة والعلم بشجاعة وإخلاص، ومنهن الصحابية أم شريك الدوسية التي كانت تدخل بيوت نساء قريش سرًا لتدعوهن إلى الإسلام، متحملة ما أصابها من إيذاء وتشريد في سبيل نشر الدعوة، وفي العصور اللاحقة برزت عالمات وواعظات كان لهن ح
التعليقات