الطريق إلى السكينة يبدأ بالرجوع إلى الله تعالى والاحتماء باليقين الذي يملأ القلب طمأنينة، حيث يثقل كاهل الإنسان بالصراعات وتضيق عليه الدنيا بما رحبت، فيظل يبحث عن أمان لا يزول، متسائلاً: أين ينام الهدوء حين تشتعل الحروب في صدورنا، وكيف استطاع الأولون أن يبتسموا وسط المحن؟
السكينة: الهبة الربانية التي تحول الضيق إلى اتساع
أكد الدكتور محمود الأبيدي، من علماء وزارة الأوقاف، أن الإجابة تكمن في السكينة، تلك الهبة الربانية التي إذا نزلت على القلب صار الضيق اتساعًا، والفقر غنى، والوحشة أنسًا، موضحًا أن السائر في دروب الحياة يحتاج أن يهاجر بقلبه إلى مرافئ القرآن، وأن يستلهم من خطى الصحابة والتابعين كيف تبقى المصابيح مضيئة في عواصف الحياة.
وأضاف العالم بوزارة الأوقاف خلال تصريح له أن السكينة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالكرم والعطاء، موضحًا أن كثيرًا من القلق الذي يعيشه الإنسان سببه الخوف من النقص والخشية من أن ينفد ما في يده، فيحبس العطاء فيحبس معه سكينة الروح، بينما الطمأنينة الحقيقية تكمن في إدراك أن الإنسان ليس مالكًا بل مستخلفًا، وأن اليد التي تعطي متصلة بخزائن لا تنفد، مشيرًا إلى أن الكرم ليس مجرد بذل مال، بل هو اتساع في القلب يرى الوفرة في كل شيء، وأن كل درهم أو جنيه يخرجه الإنسان لتفريج كربة غيره يخرج معه همٌّ كان جاثمًا على صدره.
القرآن الكريم والسكينة النفسية
وأوضح أن القرآن الكريم أشار إلى هذه الحقيقة حين قال الله تعالى: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}، مبينًا أن الشح ليس مجرد بخل بالمال، بل هو حالة من القلق والتوتر والخوف من الفقد، بينما العطاء يبعث في النفس رسالة طمأنينة بأن الله سبحانه هو الرزاق، فتسكن النفس من خوف الحاجة وتفتح أبواب الفلاح النفسي والمادي في حياة الإنسان الكريم، لافتًا إلى أن الكرم في جوهره يقين بالله وثقة في خزائنه التي لا تنفد.
وأشار إلى أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تقدم أعظم مثال على هذا المعنى، فقد كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان إذا ذبح الشاة وتصدق بها سأل السيدة عائشة رضي الله عنها: ما بقي منها؟ فتقول: ما بقي منها إلا كتفها، فيقول صلى الله عليه وسلم: «بل بقيت كلها إلا كتفها»، موضحًا أن هذا المنطق النبوي يصحح المفاهيم، فالمعطى هو الباقي عند الله، وما أمسكه الإنسان هو الذي يذهب عنه، وأن العطاء يملأ الفراغات الروحية ويجعل النفس تسكن بقدر ما يثق صاحبها في الرزاق سبحانه.
صور السخاء في تاريخ الصحابة
وتابع أن تاريخ الصحابة مليء بصور السخاء الذي جلب لصاحبه السكينة، مستشهدًا بسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه في يوم تجهيز جيش العسرة ويوم بئر رومة، حيث كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فكان يجد في هذا العطاء طمأنينة جعلته يثبت في أوقات الفتن كالجبل الأشم، كما روي عن عبد الله بن جعفر أنه رأى غلامًا يعمل في بستان فأعطى كلبًا جائعًا كل ما يملك من الطعام، فلما علم بقصته قال: إن هذا الغلام أكرم مني، فاشترى البستان وأعتقه، مشيرًا إلى أن هذا الغلام امتلك سكينة الكفاف التي تجعله يؤثر غيره على نفسه.
وبيّن أن أهل المعرفة بالله تحدثوا كثيرًا عن أثر الكرم في سكينة القلب، فقد قالوا إن الكريم لا يستوحش لأن كرمه يفتح له أبواب القلوب وأبواب السماء، وإن من أيقن بالخلف جاد بالعطية، موضحًا أن السخاء شجرة في الجنة أغصانها متدلية في الدنيا، فمن تعلق بغصن منها قاده إلى الجنة، وأن الكرم في حقيقته يحرر الإنسان من عبودية الأشياء، فعندما يعطي الإنسان يخبر قلقه الداخلي أنه غني بالله، وهذا التحرر هو جوهر السكينة.
وأوضح أن الإنسان البخيل يعيش دائمًا في ضيق القلب لأنه أسير
التعليقات