في خضم الضجيج المتصاعد حول ما وُصف بـ”حملة لمقاطعة مصر” على خلفية زيادة رسوم العبور عبر معبر طابا، تبدو الحاجة ملحة لإعادة قراءة المشهد بعيدًا عن الانفعال، وبنظرة تنصف الدولة المصرية دون أن تنكر واقع التذمر الذي ظهر على بعض منصات التواصل، هذا الجدل الذي انتشر سريعًا لا يعكس بالضرورة حجم الأزمة بقدر ما يعكس طبيعة العصر الذي نعيش فيه، حيث تتحول أي واقعة اقتصادية أو إدارية إلى مادة للتضخيم والتأويل خصوصًا إذا كانت مرتبطة بملف حساس مثل الحدود أو العلاقات الإقليمية، ومن هنا فإن التعامل مع هذه القضية يجب أن ينطلق من فهم أعمق للسياق لا الاكتفاء بقراءة سطحية للعناوين المتداولة.
من حيث المبدأ، تملك أي دولة الحق الكامل في إدارة حدودها سواء من حيث الإجراءات أو الرسوم، ومصر كغيرها من الدول لا تُعد استثناءً من هذه القاعدة، الحديث عن رفع رسوم العبور يجب أن يُفهم في هذا الإطار: قرار سيادي بحت يرتبط بحسابات داخلية وليس استجابة أو تجاهلًا لضغوط خارجية، الدولة عندما تتخذ قرارًا يتعلق بمعبر حدودي فهي لا تنظر فقط إلى العائد الاقتصادي المباشر بل تضع في اعتبارها منظومة متكاملة تشمل الأمن والتنظيم والقدرة الاستيعابية والتوازن بين الاستخدام المحلي والدولي لهذا المعبر، ومن ثم فإن اختزال القرار في كونه “زيادة سعر” فقط يُعد تبسيطًا مخلًا بحقيقة أكثر تعقيدًا.
السياق الإقليمي وتأثيره على قرارات إدارة الحدود
ما يُغفله كثيرون هو أن هذا القرار لم يأتِ في فراغ، فالمنطقة تمر بظروف معقدة أثرت بشكل مباشر على حركة السفر خاصة مع القيود التي طالت قطاع الطيران، ما دفع أعدادًا متزايدة من المسافرين للاعتماد على المعابر والمطارات المصرية مثل معبر طابا، هذا التحول المفاجئ لم يكن متوقعًا ولم يكن ضمن الحسابات الطبيعية لحركة السفر في المنطقة، ومع تزايد أعداد العابرين بشكل ملحوظ خلال فترة زمنية قصيرة أصبح من الضروري إعادة تنظيم هذا التدفق سواء من خلال الإجراءات أو من خلال التسعير، وهنا يجب أن نُدرك أن أي بنية تحتية مهما كانت قوية لها حدود استيعابية، وعندما تتعرض لضغط يفوق طاقتها المعتادة فإن تكلفة التشغيل ترتفع وتظهر الحاجة إلى أدوات تنظيمية من بينها تعديل الرسوم.
رغم هذا الضغط، لم تلجأ مصر إلى إغلاق المعبر أو تقليص الحركة بل استمرت في استقبال العابرين وقدّمت عمليًا بديلًا حيويًا في توقيت دقيق، هذه النقطة تحديدًا كثيرًا ما يتم تجاهلها في خضم الانتقادات إذ إن مصر لم تكن مُلزمة بتقديم هذا البديل لكنها فعلت، ولم تتعامل مع الوضع بمنطق الانغلاق بل بمنطق الاستيعاب والمرونة، هذا السلوك يعكس قدرة الدولة المصرية على التوازن بين اعتبارات السيادة ومتطلبات الواقع الإقليمي، وهو توازن ليس من السهل تحقيقه في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة تتداخل فيها حسابات كثيرة.
نعم، هناك حالة تذمر بين بعض المسافرين من الزيادة في التكاليف، وهو أمر مفهوم في ظل أي زيادة مفاجئة في التكاليف، لكن تحويل هذا التذمر إلى “حملة مقاطعة” واسعة يفتقر إلى الدقة، ما جرى في حقيقته لا يتجاوز نقاشات داخل مجموعات سفر وشكاوى فردية ودعوات محدودة لم تلقَ صدى رسميًا، أي أننا أمام ضجيج رقمي طبيعي يتكرر في كل مرة ترتفع فيها الأسعار أو تتغير فيها السياسات سواء في هذه المنطقة أو في غيرها من دول العالم، التجربة العالمية تؤكد أن ردود الفعل الأولية على القرارات الاقتصادية غالبًا ما تكون حادة لكنها لا تعكس بالضرورة سلوكًا طويل الأمد، فالمسافر في النهاية يتخذ قراره بناءً على مجموعة عوامل من بينها الأمان وسهولة الإجراءات وتوافر البدائل وليس السعر فقط.
الإنصاف يقتضي الاعتراف بحقيقتين لا يمكن تجاهلهما
- من حق المسافرين التعبير عن رأيهم في أي قرار يزيد من أعبائهم المالية، وهذا حق طبيعي ومشروع.
- من حق الدولة المصرية إدارة مواردها وحدودها بما يحقق التوازن بين مصالحها الوطنية ومسؤولياتها الإقليمية، وهذا حق سيادي لا غبار عليه.
الخلاصة أن ما يحدث ليس أزمة وجودية في العلاقات بقدر ما هو اختبار لمرونة التعامل مع متغيرات اقتصادية وإدارية سريعة، والنجاح في هذا الاختبار يتطلب من جميع الأطراف تجاوز لغة التصعيد والتركيز على لغة الحوار والتفاهم، فمصر ظلت ولا تزال بوابة حيوية للعديد من الأشقاء، وهذا الدور لا يمكن اختزاله في جدل حول رسوم عبور مهما كانت أهميته.
التعليقات