نشأنا على أيقونات ومسلمات، كنا نظن أن الدنيا صندوق مغلق بغطاء محكم، وأن ما تعلمناه في الكتب وعلى ركبة الأم هو الحقيقة المطلقة التي لا شك فيها، كنا نعتقد أن الأبيض أبيض إلى الأبد، وأن الأسود أسود إلى الأبد، وأن الطريق مرسوم منذ البداية، لكن الحياة، تلك المعلمة القاسية، كانت لها آراء أخرى.

تعرفت في صباي على رجل بسيط كان يعتقد أن الأرض مسطحة، يحلف أنها لا تدور، ويرى أن كل من يقول غير ذلك كافر أو مأجور، مات على هذا اليقين، ولم ير صور الأقمار الصناعية التي تظهر الأرض كروية تسبح في الفضاء، ذهب إلى قبره يظن نفسه على حق، ضحية ليقينه الأول، أليس هذا حال كثير منا؟

الإنسان في طفولته يشبه الإسفنجة، يمتص كل ما حوله بلا تمييز، يكبر وهو يحمل أفكار أبيه وأمه ومعلمه والشارع والكتيب الصغير الذي قرأه في العاشرة، يحمل هذا العبء الثقيل وكأنه حقيقة مطلقة، لكن الحقيقة المطلقة ليست من نصيب البشر، فهي وحدها لله، أما نحن فنسير في طريق المعرفة خطوة خطوة، وكل خطوة تصحح التي قبلها.

التفكير النقدي: جسر العبور من اليقين السطحي إلى الفهم العميق

يمثل التفكير النقدي المحرك الأساسي لتطور المعرفة البشرية، فهو ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة للتمييز بين الحقائق والآراء، بين الثوابت الراسخة والمتغيرات العابرة، حيث يدفعنا هذا النوع من التفكير إلى فحص المسلمات، ومساءلة الأفكار الموروثة، وبناء تصوراتنا على أدلة راسخة بدلاً من الانقياد وراء اليقينيات الوهمية التي قد تعيق مسيرة الفهم والإدراك.

تأملوا هذا التناقض العجيب، نقرأ في كتب التفسير أن الصحابة كانوا يراجعون أنفسهم، ويتمنى الواحد منهم لو لم يقل كذا، أو لو كان رأيه كذا، كانوا لا يتوقفون عن المراجعة والمحاسبة، ثم نأتي نحن بعد أربعة عشر قرناً، ونرفض أن نراجع فكرة واحدة، وكأننا نملك الحقيقة وحدنا دون سوانا، من هو الأقرب إلى روح الإسلام إذن؟ أولئك الذين كانوا يراجعون، أم هؤلاء الذين يتوقفون؟

اكتشفت في رحلاتي أن أخطر أنواع الجهل ليس الجهل البسيط الذي يعترف فيه الإنسان بأنه لا يعرف، بل الجهل المركب الذي يظن فيه صاحبه أنه يعرف، هذا هو الجهل الحقيقي واليقين الكاذب، الذي يجعل الإنسان يعيش في كهف مظلم ويظن أن كل ما في الدنيا هو هذا الكهف.

قرأت مرة عن عالم فيزياء كبير كان مقتنعاً بأن الذرة هي أصغر جزء في المادة، وأنه لا شيء أصغر منها، ثم جاء من بعده من اكتشف النواة والإلكترونات والبروتونات، ثم النيوتورونات والكواركات، وهكذا دواليك، كل يقين كان ينهار أمام يقين جديد، وهكذا هي المعرفة البشرية، جسر هش فوق نهر متدفق من الأسئلة.

المشكلة أننا نخلط بين الثوابت والمتغيرات، هناك حقاً ثوابت لا تتغير، ثوابت دينية وأخلاقية كبرى لا تقبل المساومة، لكن المساحة الأكبر من حياتنا هي متغيرات، هي آراء بشرية وتفسيرات ومواقف ظرفية وعادات وتقاليد نشأت في زمن معين لظروف معينة، وعندما نخلط بين هذا وذاك، نقدس المتغيرات ونحولها إلى ثوابت، عندها نعيش في وهم كبير.

أذكر أنني في بدايات حياتي كنت أظن أن العلم والروح ضدان لا يلتقيان، كنت أعتقد أن من يقرأ في الفيزياء والكيمياء لا بد أن يكون مادياً، ومن يتأمل في الوجود والروح لا بد أن يكون معادياً للعلم، ثم اكتشفت بعد طول بحث أن العلم الحقيقي يقود إلى الله، وأن التأمل في خلق السموات والأرض يزيد الإنسان إيماناً، كنت أحتاج إلى كل هذه السنين لأكتشف أن التناقض كان في رأسي أنا، وليس في الأشياء.

لهذا أحب دائماً أن أذكر نفسي وإياكم بأن نترك في عقولنا مساحة للشك الصحي، الشك الذي يدفع إلى البحث وليس الشك الذي يدفع إلى الهدم، الشك الذي يحرك الماء الراكد وليس الشك الذي يجفف الينابيع، نحن لسنا معصومين، والعصمة وحدها لله ورسوله.

وما عدنا ذلك، فنحن بشر نخطئ ونصيب.