دقائق معدودة قلبَت موازين منطقة الخليج العربي، بل والمنطقة العربية بأسرها، حيث انطلقت صواريخ إيرانية وطائرات مسيرة من العمق الإيراني لتستهدف دول الخليج في مشهد لم تشهده المنطقة منذ حرب الخليج الأولى.
لكن الفارق أن إيران اليوم ليست إيران الأمس، والمنطقة العربية ليست هي المنطقة ذاتها، وقبل تحليل الموقف العربي، لابد من وقفة متأنية لفهم ما يجري في طهران.
المشهد الإيراني مربك للغاية، فبينما يعتذر الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان علناً للدول الخليجية ويؤكد أن بلاده لا تنوي استهداف جيرانها، تهاجم طائرات مسيرة إيرانية أهدافاً مدنية في الإمارات وقطر والسعودية، كما يتحدث وزير الخارجية عن احترام السيادة بينما ينطق الحرس الثوري بلغة مختلفة تماماً.
هذا التناقض الصارخ يكشف حقيقة مهمة، وهي أن إيران ليست دولة تقليدية يمكن التعامل معها ككيان واحد متماسك، بل هي كيان معقد تتداخل فيه شرعية الدولة مع شرعية الثورة، وتتصارع مؤسسات منتخبة مع مؤسسات أيديولوجية مسلحة، حيث يمتلك الحرس الثوري ترسانة عسكرية ضخمة ونفوذاً اقتصادياً هائلاً، وهو صاحب الكلمة العليا في ملف الأمن القومي والذي يقرر متى وأين وكيف تضرب إيران.
ما يعنينا كعرب هو أن الضربات الإيرانية تمت والدمار حدث، والأرواح البريئة التي سقطت في دبي وأبوظبي والدمام لا تفرق بين صواريخ الحرس الثوري وصواريخ الجيش الإيراني النظامي، فالمسئولية تقع على إيران كدولة وعلى القيادة الإيرانية التي تتحمل وزر ما تفعله أجنحتها العسكرية.
الخليج العربي: شريان حيوي للاقتصاد العربي
يُشكل الخليج العربي شرياناً حيوياً للاقتصاد العربي بأكمله، حيث يعمل أكثر من 12 مليون مواطن عربي في دوله، وترسل تحويلاتهم المالية السنوية التي تتجاوز 60 مليار دولار مباشرة لدعم ميزانيات مدن عربية وإعالة أسر وتعليم أبناء وعلاج مرضى، كما يستورد الخليج سنوياً ما قيمته أكثر من 150 مليار دولار من سلع وخدمات من الدول العربية الأخرى، حيث تتجاوز صادرات مصر للإمارات والسعودية والكويت وحدها 3 مليارات دولار سنوياً.
هذه الأرقام تعني شيئاً واحداً، وهو أن استهداف الخليج ليس استهدافاً لجغرافيا محددة، بل هو استهداف لمعيشة عشرات الملايين من البشر في كل بلد عربي، فحين يضرب صاروخ إيراني مطار دبي الدولي، فإنه لا يضرب ممراً فقط بل يضرب حركة الطيران التي تنقل البضائع والركاب بين الخليج وبقية الدول العربية، وحين تستهدف صواريخ إيرانية ناقلات نفط في مياه الخليج، فإنها ترفع تكلفة التأمين على كل السفن ومن ثم ترفع أسعار السلع المستوردة لكل البيوت العربية.
لننظر إلى الخريطة قليلاً، فهناك مضيق هرمز ممر مائي ضيق لا يتجاوز عرضه 50 كيلومتراً في أضيق نقطة، يمر عبره يومياً أكثر من 20 مليون برميل نفط، أي حوالي ثلث إنتاج العالم من النفط، وهذا المضيق هو شريان الاقتصاد العالمي، وهو في الوقت نفسه نقطة الضعف الأكبر في الأمن الخليجي.
إيران تدرك هذه الحقيقة جيداً ولعبت عليها طويلاً، فالتهديد الإيراني المتكرر بإغلاق المضيق هو ورقة ضغط دائمة على الغرب وعلى دول الخليج، لكن الجديد اليوم هو أن إيران انتقلت من مرحلة التهديد إلى مرحلة التنفيذ، فاستهداف ناقلات النفط في مياه الخليج وزرع الألغام واحتجاز سفن، كلها أفعال تنذر بكارثة حقيقية لو استمرت.
الخبراء العسكريون يقولون إن إيران طورت قدراتها البحرية والصاروخية بشكل كبير خلال العقد الأخير، حيث ترسانتها من الصواريخ.
التعليقات