ظلت ليلة القدر محط اهتمام المسلمين عبر العصور، إذ تعد من أعظم الليالي التي يُغفر فيها الذنب لمن قامها إيماناً واحتساباً، وقد اختلف العلماء في تحديد موعدها الدقيق بين الليالي الوترية من العشر الأواخر من رمضان، كالليلة الحادية والعشرين والثالثة والعشرين والخامسة والعشرين والسابعة والعشرين والتاسعة والعشرين، واستدلوا بما رُوي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجاور في العشر الأواخر ويقول: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان».

ويرجع هذا الاختلاف في تحديد موعد ليلة القدر إلى تعدد الأحاديث الواردة في شأنها، كما أن إخفاء الله تعالى لموعدها حكمة ليجتهد الناس في العبادة طوال العشر الأواخر، وقد ذهب بعض العلماء، استناداً إلى الإعجاز العددي في القرآن، إلى ترجيح كونها في ليلة السابع والعشرين، وهو الرأي الذي قال به ابن عباس رضي الله عنهما والشيخ محمد متولي الشعراوي.

ويؤكد الفقهاء أن الأصل في موعد ليلة القدر هو التحري في الأيام الفردية من العشر الأواخر، كما ورد في الحديث النبوي الشريف، دون الجزم بليلة محددة، مما يحث المسلمين على مضاعفة الاجتهاد في العبادة خلال هذه الليالي المباركة.

الدلائل العددية لليلة السابع والعشرين

قال ابن عباس رضي الله عنهما إن موعد ليلة القدر يوافق ليلة السابع والعشرين من رمضان، واستدل على ذلك بأدلة عددية من سورة القدر، حيث لاحظ أن كلمة “هي” في قوله تعالى “سلام هي” هي الكلمة السابعة والعشرون في السورة التي يبلغ مجموع كلماتها ثلاثين كلمة.

حوار ابن عباس مع عمر بن الخطاب

عندما سأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الصحابة عن موعد ليلة القدر واختلفوا، أذن لابن عباس بالكلام، فقال إنها في السابع والعشرين، واستند في رأيه إلى ورود الرقم سبعة ومضاعفاته في الكون والخلق، مثل السموات السبع والأراضين السبع ومراحل خلق الإنسان السبع، فقبل عمر رضي الله عنه هذا الاستدلال.

تقييم العلماء للإعجاز العددي

ذكر بعض المفسرين، كابن حجر العسقلاني، أن محاولات الاستدلال بالإعجاز العددي في القرآن لاستنتاج قضايا مثل موعد ليلة القدر تظل اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ، ولا ترقى إلى اليقين الذي تفيده النصوص الشرعية القطعية، فالراجح عند الجمهور أن الله أخفى هذه الليلة لتعم العبادة جميع الأوقات.

فضل الاجتهاد في العشر الأواخر

إن الحكمة من إخفاء موعد ليلة القدر بين الليالي الوترية حث المسلمين على الاجتهاد في العبادة طوال العشر الأواخر، فالمؤمن يحيي هذه الليالي بالصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن، طمعاً في مغفرة الذنوب ورفعة الدرجات، وهذا الاجتهاد هو روح العبادة في الشهر الكريم وغايته الحقيقية.