تشهد الساحة الدينية والفكرية ازدحاماً بالتضارب في الأقوال والفتاوى المتنوعة، سواء من أهل الدين أو من أصحاب الرأي الحر والفكر الحديث، وهذا المشهد ليس جديداً بل يعود إلى خمسينيات القرن الماضي عندما أعلن الدكتور عبد الحميد بخيت، الأستاذ المساعد بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر، رأياً مثيراً للجدل عبر بحث نشرته جريدة “أخبار اليوم” تحت عنوان “إباحة الفطر في رمضان وشروطه”.

اجتهاد أزهري يهز الثوابت

في 15 مايو عام 1955، طرح الدكتور بخيت اجتهاداً شخصياً مفاده أن صيام شهر رمضان ليس فرضاً على كل المسلمين كما هو شائع، مستنداً في ذلك إلى القاعدة الشرعية “لا يكلف الله نفساً إلا وسعها”، حيث قسم الناس وفقاً للآية الكريمة إلى فئتين: الفئة الأولى تشمل المريض والمسافر، وهما معفيان من الصيام مع قضاء أيام أخرى، وهي فئة واضحة لا جدال حولها، أما الفئة الثانية فهي موضع الخلاف وتتعلق بمن “يطيقونه”، حيث يرى أن المعنى اللغوي للكلمة هو “يستطيع مع المشقة”، مما يعني أن القادرين على الصيام ولكنهم يفضلون الإفطار لأي سبب، لهم أن يفطروا بشرط إطعام مسكين.

تساؤلات حول تفسير النص

تساءل الدكتور بخيت في بحثه: لماذا يصر العلماء على تفسير “يطيقونه” بـ”لا يطيقونه”؟ ولماذا يفترضون أن الله أورد الكلمة وأراد عكسها؟ مؤكداً أن الآية صريحة في أن القادرين على الصيام والذين يتحملونه، ولكنهم يصرون على الإفطار، لهم أن يفطروا بالفعل بشرط إطعام مسكين، باختصار، كتب الله الصيام على الناس جميعاً، فإن أردت الإفطار لأن الصيام شاق بالنسبة لك، فلتطعم غيرك من المساكين، إلا أن تكون مريضاً أو مسافراً، فلتصم يوماً غيره فقط دون إطعام مسكين.

رد فعل الأزهر والعواقب

أثار هذا البحث موجة من الانتفاضات والامتعاض، حيث شنت المؤسسة الدينية هجوماً على الدكتور بخيت، وخضع للتحقيق الفوري، وأصدر الأزهر بياناً تبرأ فيه مما كتبه العالم المجتهد بحجة “خرق إجماع علماء الأمة”، واندلعت معركة فكرية في الجرائد المصرية بين المؤيدين والمعارضين، وانضم الدكتور طه حسين لفريق الدفاع عن الشيخ بخيت، وكتب عدة مقالات مدافعاً عن حرية الفكر والاجتهاد والخطأ، مشيراً إلى أنه لا يجوز للأزهر بأي حال أن يعاقب علمائه الأجلاء لمجرد أنهم اجتهدوا.

عواقب الاجتهاد في زمن الإجماع

لم تسفر هذه المعركة الفكرية عن تغيير في الموقف الرسمي، ففي 19 يونيو 1955، مثل الشيخ بخيت أمام مجلس التأديب، وصدر قرار بإبعاده من التدريس تماماً وإحالته إلى وظيفة إدارية، مع “الرأفة” كما وصفها المسؤولون، حيث صرح وكيل الأزهر أن الشيخ كان يستحق الفصل تماماً، وعندما سئل الدكتور بخيت عن شعوره في هذا الموقف، أجاب بعبارة أصبحت شهيرة: “شعور الجندي الذي يناضل لتحطيم الوثنية الدينية”، ومنذ ذلك الحين، أصبحت قضيته نموذجاً للصراع بين الاجتهاد الفردي والثوابت المؤسسية.