في ظل تصاعد غير مسبوق للتوترات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، تتجه الأنظار إلى الجنوب اللبناني باعتباره ساحة مرشحة لمزيد من التصعيد قد يعيد رسم ملامح الصراع في المنطقة، وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تحركات ميدانية تحمل أبعادًا تتجاوز المواجهات التقليدية، ما يثير تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة واحتمالات انزلاقها نحو سيناريوهات أكثر تعقيدًا.
وتحذّر تقديرات سياسية وقانونية من أن ما يجري قد لا يقتصر على اعتبارات أمنية كما تروج إسرائيل، بل قد يعكس توجهًا أوسع لفرض واقع جديد على الأرض خاصة في المناطق الحدودية، بما يفتح الباب أمام تغييرات محتملة في الخريطة الجغرافية والتركيبة السكانية، وسط مخاوف من تكرار أنماط مشابهة على الساحة اللبنانية بما يحمله ذلك من تداعيات إقليمية أوسع.
أستاذ قانون دولي: ما يحدث في لبنان نسخة مكررة من غزة.. والمنطقة العازلة بداية للضم
حذّر الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، من أن إسرائيل تسعى لتكرار سيناريو غزة في لبنان عبر إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، وأوضح أن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس أعلن يوم 24 مارس 2026 أن القوات الإسرائيلية ستسيطر على منطقة أمنية تمتد حتى نهر الليطاني على بعد 30 كيلومترًا داخل لبنان.
وأكد الدكتور مهران في تصريحات لـ«صدى البلد» أن كاتس صرح بأن النازحين اللبنانيين لن يعودوا جنوب الليطاني حتى يتم ضمان أمن شمال إسرائيل، محذرًا من أن هذا السيناريو نفسه الذي نفذته إسرائيل في غزة حيث أقامت منطقة عازلة ومنعت عودة السكان تمهيدًا للاستيطان، وأشار إلى أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش طالب صراحة بضم جنوب لبنان حتى الليطاني قائلاً: «الحدود الإسرائيلية الجديدة يجب أن تكون الليطاني»، داعيًا المجتمع الدولي لرفض هذا المخطط الاستعماري الذي ينتهك القانون الدولي بشكل صارخ.
وقال الدكتور مهران إن القانون الدولي واضح في تحريم المناطق العازلة القسرية داخل أراضي دولة أخرى، موضحًا أن اتفاقية جنيف الرابعة تحظر في المادة 49 النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة، وأشار إلى أن منع 1.2 مليون لبناني نازح من العودة إلى ديارهم جنوب الليطاني يشكل تهجيرًا قسريًا محظورًا دوليًا، محذرًا من أن المادة 53 من نفس الاتفاقية تحظر تدمير أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة إلا إذا كانت الضرورات الحربية تقتضي ذلك، وأضاف أن إسرائيل فجرت خمسة جسور على نهر الليطاني ودمرت مئات المنازل في القرى الحدودية، مؤكدًا أن هذا التدمير الممنهج ليس ضرورة حربية بل خطة لمنع عودة السكان.
السيناريو الإسرائيلي: نمط متكرر من التوسع
تشير تحليلات الخبراء إلى أن الإجراءات الإسرائيلية على الحدود اللبنانية تتبع نمطًا توسعيًا مألوفًا، حيث تبدأ بذرائع أمنية لإنشاء مناطق عازلة تتحول لاحقًا إلى واقع دائم، وهو نهج يهدد بزعزعة الاستقرار الإقليمي برمته ويفتح باب مواجهات أوسع قد لا تُحمد عقباها.
وأشار مهران إلى أن السوابق الإسرائيلية تؤكد أن المنطقة العازلة مقدمة للضم، موضحًا أن إسرائيل احتلت جنوب لبنان من 1985 حتى 2000 تحت ذريعة المنطقة الأمنية، كما أن الجولان السوري احتُل أولًا كمنطقة عازلة ثم ضمته إسرائيل رسميًا عام 1981، وأكد أن جنوب الضفة الغربية يخضع لنفس السيناريو حيث أقامت إسرائيل مناطق عسكرية ثم وسعت الاستيطان فيها، بينما شهدت غزة تهجيرًا قسريًا وإنشاء منطقة عازلة واسعة ومنع عودة السكان، وهو نفس النمط الذي يتكرر الآن في لبنان.
وأشار أيضًا إلى أن حركة «أوري تسافون» الاستيطانية تدعو علنًا لإقامة مستوطنات يهودية جنوب الليطاني، موضحًا أن الحركة تصف المنطقة بأنها جزء من أرض إسرائيل التوراتية، وأن هذا الخطاب الديني الاستعماري.
التعليقات