يمر رمضان كل عام كنسمة سماوية تلامس القلوب المتعبة، فتغسل عنها غبار الأيام، وتعيد إليها جزءًا من صفائها الأصلي، هو شهر ترق فيه الأرواح وتصفو القلوب، وعندما يرحل يترك في النفس شوقًا لا يهدأ، كروح تعلقت بضيائه ثم مضى تاركًا أثره بداخلنا، هو شهر يخفت فيه ضجيج الدنيا في الصدور، ويصبح للإنسان مع ربه حديث لا يسمعه سواه.

في رحاب الشهر الكريم، تتبدل ملامح النفوس، فترى العيون دامعة في الصلاة، والشفاه تهمس بدعوات لا يعلم سرها إلا الله، والقلوب تلقى أعباءها عند أبواب الرحمة، وكأنها وجدت أخيرًا من يسمعها ويعرف خفاياها.

كنت أقف كثيرًا في الصلاة بجوار أناس لا أعرفهم، لكنني أسمع بكاء أحدهم مع الإمام، أو همهمة رجل إلى جواري كأنه يحدث الله في صمت، لحظات تشعر فيها أن كل إنسان يحمل في صدره قصة لا يعرفها غيره، وأن هذه الدموع ليست سوى رسائل خفية بين العبد وربه.

مشهد يتكرر يوميًا

غير أن أكثر ما لفت انتباهي في هذا الشهر الكريم كان مشهدًا يتكرر كل يوم تقريبًا، في طريق عودتي من العمل، وقبيل أذان المغرب، كنت أرى امرأة تبدو في أوائل الثلاثينيات تقف عند أحد المطبات في الطريق، ترتدي كمامة، وتجر خلفها عربة صغيرة مليئة بالبلح والعصير، اختارت ذلك المكان تحديدًا لتبطئ السيارات سرعتها، فتستطيع أن تصل إلى المارة قبل الأذان بلحظات.

تمد يدها بالبلح والعصير، وتقول بابتسامة خجولة: “أول حاجة تفطر عليها… ده وعد”، ثم تمضي من سيارة إلى أخرى، حتى تفرغ عربة الخير التي جاءت بها، تقف حتى توزع كل ما معها، ثم ترحل كما جاءت؛ هادئة، بسيطة، لكنها تمضي محملة بمئات الدعوات التي لا تسمعها.

لا أعلم ماذا كانت تطلب من الله، ولا لأي حاجة جاءت تجمع هذا الأجر كل يوم، لكنها جعلتني – من حيث لا تدري – وسيط دعاء طيب بينها وبين خالقها، فكلما أخذت منها تمرة، دعوت لها دعاء لا أعرف إن كان يبلغ حاجتها أم لا.

وفي أحد الأيام لم أجد ما أقوله لها إلا: أعانكِ الله، وأصلح لكِ دينكِ ودنياكِ، ولعل سر رمضان ليس في الصيام وحده، بل في تلك الخيوط الخفية التي تنسجها الرحمة بين القلوب.

ربما كانت تلك المرأة تبحث عن دعوة واحدة تصعد إلى السماء دون أن تدري من أي فم خرجت، وربما كنت أنا أحد أسبابها دون أن أشعر، فنحن في رمضان نمضي بين الناس كرسل صغار للخير؛ دعوة من هنا، ودمعة من هناك، وتمرة تقدم على الطريق… ثم تمضي كلها إلى الله في صمت، كأنها تعرف الطريق إليه أكثر مما نعرفه نحن.