يظل تاريخ مصر القديمة زاخرًا بالأسماء اللامعة التي طبعت الحضارة بآثارها الخالدة، بينما تبقى شخصيات أخرى أقل حظًا من الشهرة بسبب قصر فترات حكمها أو ضياع معظم شواهدها، ومن بين هؤلاء الملك رودامون، آخر فراعنة الأسرة الثالثة والعشرين، فحكمه الذي لم يتجاوز ثلاث سنوات بقي اسمه محفورًا في السجلات التاريخية كجزء من مرحلة انتقالية محورية عُرفت بالفترة المتوسطة الثالثة، وهي حقبة اتسمت بالانقسام السياسي الحاد وضعف السلطة المركزية.
ينتمي الملك رودامون إلى سلالة ملكية قوية، فهو ابن الملك أوسركون الثالث وأخو الملك تاكلوت الثالث، وقد لعب كلاهما دورًا محوريًا في الحفاظ على حكم الأسرة الثالثة والعشرين في صعيد مصر، ويُذكر أن رودامون حمل لقبًا ملكيًا طويلاً يعكس عظمة الفراعنة وهو: “وسر ماعت رع ستبن آمون رودامون مرى آمون”، ولم يكن هذا اللقب مجرد تسمية شرفية، بل رسالة سياسية تؤكد ارتباطه بالآلهة وسعيه لتثبيت شرعيته على العرش.
الخلاف الأكاديمي حول هوية الملك وتاريخه
جاء ذكر هذا الملك بوصفه ابن ملك يدعى «أوسركون»، ويحتمل أنه «أوسركون الثالث»، وقد وضعه بعض العلماء في بادئ الأمر في العصر الصاوي، وبعضهم في الأسرة الخامسة والعشرين، وكان أول من وضعه في مكانه الحقيقي أي في الأسرة الثالثة والعشرين هو الأثري «مسبرو»، وقد برهن على أن الأمراء الذين عاشوا في هذا العهد لم يمدوا سلطانهم بعد «أسيوط» لأن الإثيوبيين كانوا قد دخلوا البلاد فعلًا من الجنوب واحتلوها.
وقد ترك لنا بعضَ آثار له في الوجه القبلي، وقد كان كما قلنا ابن ملك يدعى «أوسركون»، وقد اشترك على ما يظهر مع والده هذا في بناء معبد في «الكرنك» إذ الواقع أن اسمه قد جاء مهشَّمًا في منظرين من مناظر هذا المعبد، ولم يكن في مقدور «لجران» قراءة الاسم إذ لم تبق منه إلا كلمة «آمون» وجزء من كلمة «رود» المكملة للاسم «رود آمون»، هذا، ونجد أن «لجران» في مقال له قد قرأ الاسم كله ونسب «رود آمون» هذا إلى «أوسركون الثالث» بوصفه ابنه، ولكن نجد من جهة أخرى أن «دارسي» في مقال له يظن أن «رود آمون» هذا هو ابن «أوسركون الرابع»، أما الأثري «جوتييه» فيقول عنه إن من المؤكد أن «رود آمون» قد حكم في «طيبة» بوجه خاص وذلك لأن ثلاثة أخماس الآثار التي وُجدت له عُثر عليها في «طيبة»، وإنه ابن «أوسركون الثالث» لا «أوسركون الرابع» كما يقول «دارسي».
تولى الملك رودامون الحكم في وقت حرج جداً من تاريخ مصر، فالبلاد كانت مقسمة إلى دويلات محلية في الشمال والجنوب، ولم يعد للفرعون سيطرة مطلقة كما كان الحال في عصور القوة، وتشير المصادر إلى أن حكمه استمر ما بين سنتين إلى ثلاث سنوات فقط، وهو زمن قصير إذا ما قورن بغيره من الفراعنة، إلا أن تلك الفترة شهدت محاولات للحفاظ على وحدة الحكم في صعيد مصر ومواجهة الانقسامات الداخلية.
ومن المحتمل أنه في عهد «رود آمون» هذا قام «بيعنخي» بفتح الوجه القبلي، ومن المحتمل جدًّا أنه في خلال حملة «بيعنخي» كان أحد أبناء «رود آمون» الذي يسمى «أوسركون» يحكم في «الدلتا» غير «أوسركون الثالث» كما يقول «إدوارد مير»، وعلى ذلك فإن الملك الذي ذكر في لوحة «بيعنخي» ليس «أوسركون الثالث» بل كان يحمل اسم «أوسركون»، ورغم قِلة ما وصلنا من آثار الملك رودامون، فإنّ بعض النقوش والأواني الفخارية والزجاجية التي تحمل اسمه تظل دليلًا على وجوده التاريخي، ومن أبرز الشواهد على آثاره كانت غرف بناها في معابد أوزوريس ومنا.
التعليقات