بينما تتصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران، وتتعالى الأصوات الدينية والنبؤات التوراتية في خلفية الصراع، يبرز سؤال محوري حول مستقبل السياسة الإقليمية: إذا سقطت إيران كحاجز أمام إسرائيل، فإلى أين سيتجه المشروع الإسرائيلي بعد ذلك، ومن سيكون الهدف التالي؟ هل ستكون مصر أم تركيا أم السعودية، أم أن الحسابات الاستراتيجية تتجاوز الدول لتدور حول تحقيق التفوق العسكري المطلق ومنع ظهور أي قوة إقليمية منافسة؟
الجذور الفكرية للمشروع التوسعي الصهيوني
لفهم أي طموح توسعي محتمل، يجب العودة إلى الجذور الفكرية للحركة الصهيونية، حيث تحدث مؤسسها ثيودور هرتزل في مذكراته عن تصورات جغرافية واسعة تشمل فلسطين ومناطق مجاورة، بينما ركز البرنامج الصهيوني الذي أُقر في مؤتمر بازل الأول عام 1897 على هدف محدد هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، أما فكرة “إسرائيل من النيل إلى الفرات” فتظهر اليوم بقوة في خطاب بعض التيارات القومية والدينية المتشددة داخل إسرائيل، خصوصاً داخل تيار الصهيونية الدينية.
اليمين الإسرائيلي وعودة حلم “إسرائيل الكبرى”
مع صعود اليمين القومي والديني في إسرائيل خلال العقدين الأخيرين، عاد الحديث عن حدود أوسع للدولة إلى الواجهة، وتظهر في بعض النصوص التوراتية مثل سفر التكوين (15:18–21) إشارات إلى أرض تمتد “من النيل إلى الفرات”، حيث يُذكر وعد الله لإبراهيم بأن أرض ذريته تمتد من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات، وهو وعد يُفسر على أنه تحديد حدود رمزية للأرض الموعودة التي تشمل فلسطين الحديثة وأجزاء من مصر والأردن والعراق وسوريا وحتى شمال شبه الجزيرة العربية، وقد استخدمت هذه النصوص لاحقاً في بعض الأدبيات الفكرية المرتبطة بالحركة الصهيونية.
برزت شخصيات سياسية مثل وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير كجزء من هذا التيار، وقد أثار سموتريتش جدلاً واسعاً في مارس 2023 عندما عرض خريطة لما سماه “أرض إسرائيل” تضمنت فلسطين التاريخية والأردن خلال كلمة ألقاها في باريس، ما دفع الأردن إلى إدانة الخريطة واستدعاء السفير الإسرائيلي، كما كرر في تصريحات لاحقة إشارات إلى رؤية يعتبر فيها أن المجال الحيوي لإسرائيل قد يمتد شرقاً حتى دمشق، وتتحدث بعض الطروحات في اليمين الإسرائيلي عن أن تحقيق هذا المشروع يتطلب إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر تفكيك الدول العربية إلى كيانات أصغر تعتمد على إسرائيل في بقائها.
الاستراتيجية طويلة المدى: إعادة تشكيل الخريطة الإقليمية
تتجاوز الرؤية التوسعية المباشرة فكرة ضم الأراضي لتشمل استراتيجية إقليمية طويلة المدى تهدف إلى إعادة هيكلة محيط إسرائيل الجيوسياسي، حيث تسعى إلى ضمان أمنها عبر منع قيام أي قوة مركزية موحدة يمكن أن تشكل تحدياً، وهذا يتطلب عملاً منهجياً على مستويين: إضعاف الجيوش النظامية الكبيرة التي تملكها الدول القوية، وتعزيز الانقسامات الداخلية الطائفية والإثنية لتحويل الدول إلى كيانات هشة يسهل التأثير عليها، مما يخلق بيئة إقليمية مجزأة تسمح لإسرائيل بالهيمنة دون مواجهة تحديات كبرى.
“خطة ينون” وتفكيك الشرق الأوسط
من أكثر النصوص التي يُستشهد بها حول الاستراتيجية الإسرائيلية مقال كتبه المحلل الإسرائيلي عوديد ينون عام 1982 بعنوان “استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات”، وقد نُشر المقال في مجلة كيفونيم التابعة للدائرة الإعلامية للمنظمة الصهيونية العالمية وأصبح يُعرف لاحقاً باسم خطة ينون، حيث اقترح المقال تصوراً استراتيجياً يرى أن استقرار إسرائيل على المدى الطويل قد يتحقق عبر تفكك الدول العربية الكبيرة إلى كيانات أصغر على أسس طائفية أو عرقية، ومن الأمثلة التي ذكرها المقال تفكيك العراق إلى ثلاث مناطق (شيعية وسنية وكردية)، وتقسيم سوريا ولبنان إلى كيانات طائفية، وتفكك دول أخرى في المنطقة بسبب التوترات الداخلية، وهو سيناريو تبدو ملامحه تتحقق على أرض الواقع.
إضعاف الجيوش الكبرى
إسرائيل لا توسع حدودها مباشرة، بل تعمل أولاً على إضعاف الجيوش الكبيرة في المنطقة.
التعليقات