في 22 فبراير 2026، طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اجتماع حكومي في القدس تصوراً لما أسماه إطاراً “سداسياً” من التحالفات الإقليمية والدولية، حيث يبدو المشروع ظاهرياً كشبكة تعاون سياسي وأمني وتكنولوجي واقتصادي عابرة للحدود والقارات، لكنه يفتح الباب لتساؤلات جوهرية حول ما إذا كان يمثل هندسة أمنية ظرفية أم إعادة تشكيل لمنطقة الشرق الأوسط من منظور سياسي وديني.
التحالف السداسي: ملامح شبكة النفوذ الجديدة
يقوم التصور الذي قدمه نتنياهو على شبكة تحالفية تضم الهند واليونان وقبرص ودولاً عربية لم يسمها، بالإضافة إلى شركاء أفارقة وأطراف آسيوية إضافية، ويهدف هذا التحالف إلى إنشاء منظومة تعاون متعددة الأوجه تشمل احتواء إيران ومواجهة المحورين الشيعي والسني، كما يركز على التعاون في مجال الطاقة بشرق المتوسط والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتبادل المعلومات الأمنية، ورغم التأكيدات الرسمية على أن التحالف المزمع ليس عسكرياً، فإن أطر التعاون المعلنة تشير إلى وجود “تفاهمات أمنية واستخباراتية” تطرح أسئلة حول طبيعتها الحقيقية ومصلحتها وأهدافها الخفية.
إعادة هندسة الشرق الأوسط: من الرؤية إلى التنفيذ
تكرر تصريح نتنياهو “نحن نغير وجه الشرق الأوسط” في أكثر من مناسبة، حيث قاله حرفياً بعد اتفاقات التطبيع عام 2020، ثم أعاد صياغته خلال 2023-2024 متحدثاً عن “شرق أوسط جديد” تُعاد فيه صياغة التحالفات خارج ثنائية الصراع التقليدي، مما يشير إلى أن تلك التصريحات لم تكن مجرد توصيف بل إعلان عن اتجاه استراتيجي لإعادة هندسة المنطقة عبر شبكات نفوذ وتحالفات إقليمية ودولية.
يقوم هذا المشروع الاستراتيجي على كسر مركزية الصراع العربي-الإسرائيلي، وإدخال قوى آسيوية وأوروبية في المعادلة، وإعادة رسم خريطة الاصطفاف الإقليمي، ومحاصرة القوى الإقليمية المهددة لإسرائيل، وبالتالي يعكس التحالف انتقالاً من عقيدة “تحالف الأطراف” التقليدية إلى شبكة نفوذ متعددة القارات قد تستخدمها إسرائيل كأداة تنفيذية لتغيير شكل المنطقة من منظورها الخاص.
من تحالف الأطراف إلى تحالف الأمم: البعد الديني
تتوسع العقيدة الأمنية الإسرائيلية القديمة التي تحدثت عن “تحالف الأطراف” لتصبح ما يشبه “تحالف الأمم”، حيث تلتف دول من آسيا وأوروبا وأفريقيا حول إسرائيل في مواجهة محاور تعتبرها راديكالية، ويبرز هنا بُعد أعمق رغم الطابع البراغماتي لخطاب نتنياهو، حيث ينظر التيار الديني اليميني المتطرف داخل إسرائيل إلى هذه التحولات من زاوية مختلفة.
تحدث وزير المالية وزعيم حزب الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش صراحة عن “الحق التاريخي” لإسرائيل في كامل الأرض مستنداً إلى سردية توراتية تتجاوز الحدود السياسية المعترف بها دولياً، بينما ينتمي وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى التيار نفسه الذي يرى في السيادة على الأرض بُعداً عقائدياً لا يقتصر على اعتبارات الأمن، ولم يعد هذا التيار مجرد “ظاهرة صوتية” بل استطاع فرض تصوراته التوراتية على أرض الواقع، كما حدث عام 2023 عندما مرر الكنيست تعديلاً يسمح بعودة المستوطنين إلى بؤر أُخليت سابقاً في شمال الضفة الغربية بقيادة التيار اليميني المتطرف داخل الائتلاف الحكومي.
التعليقات