يمر العالم اليوم بمنعطف هو الأخطر في تاريخ البشرية، حيث لم يعد الصراع محصوراً في حدود الجغرافيا أو أطماع السياسة، بل انتقل إلى “استراتيجية الإبادة البيئية” التي تستهدف مقومات البقاء الإنساني من ماء وطعام وهواء.

إن مشهد تصاعد أعمدة الدخان من المفاعلات النووية المقصوفة، واختلاط سواد النفط والغاز بشريان الحياة في البحار والمحيطات، ليس مجرد حادث عارض، بل هو تجسيد حي لقول الحق سبحانه وتعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”.

الاستهداف المنهجي للبيئة: حرب جديدة على مقومات الحياة

تتحول البيئة إلى ساحة معركة رئيسية، حيث تُستخدم تقنيات التدمير الشامل لتسميم المصادر الأساسية للحياة، مما يخلق أزمات إنسانية طويلة الأمد تعبر الحدود وتطال الأبرياء قبل المحاربين، وتشكل هذه الاستراتيجية تهديداً وجودياً يتطلب وعياً عالمياً عاجلاً ورفضاً قاطعاً لاستخدام الطبيعة كسلاح في الصراعات.

أولاً: اغتيال “الغيث” وتحول المطر إلى “رجز”

إن أخطر ما كشفته الأحداث الأخيرة هو “تسميم السماء”، فعندما تقصف المفاعلات وتشتعل آبار الغاز، وتُدمر المدن ومصانع الكيماويات والسلاح بالقنابل المحرمة مثل الفوسفور الأبيض والمواد المشعة، كما ظهر أولاً في غزة وقبلها في هجمات بالغازات السامة على الأكراد، فإن آلاف الأطنان من الغبار الذري والمركبات الكربونية المعقدة تصعد إلى طبقات الجو، لتختلط بـ “السحاب المسخر” بين السماء والأرض، هنا ينكسر الميزان الكوني، فيتحول المطر من “ماء طهور” يحيي الأرض بعد موتها، إلى “أمطار مشعة وحمضية” تخرق مسام التربة وتسمم المحاصيل من جذورها وتؤثر في تكوين الجسم ووظائفه الحيوية وأجهزته، فضلاً عن تدمير الثروة الحيوانية.

إننا أمام “دورة خبيثة” للملوثات لا تعترف بالحدود السياسية، فالسحابة المسمومة لا تطلب تأشيرة دخول، بل تسقط وبالاً على الجميع، محولةً “الغيث” إلى أداة للهلاك والدمار.

ثانياً: “سرقة القرن” واستهداف الأمن الحيوي

إن ما يحدث اليوم هو الوجه القبيح لـ “سرقة القرن” المتجددة، حيث لا يُكتفى بنهب الثروات، بل يتم تدمير “أصول الحياة” لإخضاع الشعوب.

إن تسميم مياه الشرب وتدمير الحياة البحرية والزراعية يهدف إلى خلق حالة من “التبعية الوجودية”، حيث يصبح الحصول على الغذاء النظيف والماء غير الملوث “منحة” تمنحها قوى الهيمنة لمن تشاء.

إن استهداف التربة والماء هو اعتداء مباشر على أمانة الاستخلاف التي كلف الله بها الإنسان ليعمر الأرض لا ليفنيها.

ثالثاً: الأبعاد النفسية والتربوية لجيل “القلق المناخي”

بصفتنا معنيين بعلم النفس التربوي، لا يمكننا إغفال الأثر المدمر لهذه الكوارث على “النفس البشرية”.

إن نشوء أجيال ترى في المطر عدواً وفي البحر مقبرة سوداء، يؤدي إلى “اغتراب وجودي” وانهيار في منظومة اليقين.

كيف نربي أطفالنا على الامتنان للخالق وهم يشهدون تبديل نعمة الله كفراً؟! إن “الحرب النفسية” التي تشنها قوى الظلم عبر تدمير البيئة تهدف إلى كسر إرادة الإنسان وجعله يعيش في “ذعر دائم”، مما يستوجب منا بناء “وعي مقاوم” يربط بين حماية البيئة وحماية العقيدة.

رابعاً: ميثاق الاستخلاف أو طوفان الإفساد

إن استمرار هذا العبث بمقدرات الكوكب يضعنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العودة إلى “ميثاق الاستخلاف” الذي يحترم توازن الخلق، أو مواجهة طوفان من الإفساد الذي لا يبقي ولا يذر.

إن دور النخبة المثقفة والصحافة الرصينة اليوم والسوشيال ميديا، هو كشف هذا الغيّ وتعرية الأطماع التي تتخفى خلف مبررات الحرب، فالحرب التي تقتل “الحرث والنسل” هي حرب على مشيئة الله في إعمار الأرض.