كشفت دراسة حديثة أن أسماك القرش لا تعيش حياة انعزالية كما كان يُعتقد سابقًا، بل تُكوِّن علاقات اجتماعية معقدة وتُظهر تفضيلات واضحة في اختيار شركائها داخل مجموعاتها.

وبعد سنوات من المراقبة الميدانية لأسماك قرش الثور داخل محمية «شارك ريف» البحرية في فيجي، أوضحت الدراسة التي نُشرت في 16 مارس بمجلة «أنيمال بيهافيور» أن هذه المفترسات البحرية تمتلك شبكات اجتماعية مستقرة، حيث أن العلاقات بينها ليست عشوائية بل تقوم على تفاعل متكرر بين أفراد محددين بمرور الوقت.

الدراسة تقدم رؤية جديدة لسلوك القروش، حيث تظهر أنها تتبع أنماطًا اجتماعية تشبه إلى حد كبير المجتمعات المنظمة، مما يفتح الباب أمام فهم أعمق لديناميكيات الحياة البحرية وعلاقاتها المعقدة، وهذا الاكتشاف قد يساهم في تطوير استراتيجيات أكثر فعالية للحفاظ على هذه الأنواع وحماية بيئاتها الطبيعية.

من كائنات منعزلة إلى مجتمعات منظمة

تقول المؤلفة الرئيسية للدراسة، ناتاشا ماروسي، خبيرة حفظ الأنواع في مركز أبحاث سلوك الحيوان بجامعة إكستر ومؤسسة مختبر فيجي للقروش: «نحن البشر نكوِّن مجموعة من العلاقات الاجتماعية — من معارف عابرين إلى أصدقاء مقربين — ونتجنب بعض الأشخاص، وهذه القروش تفعل شيئًا مشابهًا»، هذا التشبيه، بحسب ماروسي في تصريحات لـ«الجزيرة نت»، يوضح أن القروش لا تجتمع بالصدفة، بل تختار شركاءها بطريقة تعكس تفضيلات اجتماعية حقيقية.

وتشير الباحثة إلى أنه من خلال تحليل آلاف ساعات المراقبة لسلوك القروش، وجد الفريق أن هذه الحيوانات تميل إلى البقاء بالقرب من أفراد معينين بشكل متكرر، بدلًا من التحرك عشوائيًا داخل التجمعات، وهذا يعني أن العلاقات بين القروش ليست عابرة، بل تتكرر بمرور الوقت، مما يشير إلى وجود نمط من التنظيم الاجتماعي داخل هذه المجموعات، ويُشبه الباحثون هذا النمط بما يحدث لدى البشر، حيث توجد دوائر مختلفة من العلاقات، من شركاء دائمين يتم التفاعل معهم باستمرار، إلى علاقات أقل تكرارًا.

كيف تتشكل هذه العلاقات

ركزت الدراسة على موقع تغذية ثابت، حيث يتم جذب أسماك القرش إلى المكان نفسه بشكل منتظم، وهذا التكرار في وجود الأفراد أنفسهم يخلق فرصة متكررة للتفاعل بينهم، وهو عامل مهم في تكوين العلاقات.

وأظهرت النتائج أن تكرار اللقاءات بين الأفراد أنفسهم يؤدي إلى تكوين نوع من الألفة، أي الاعتياد على وجود الآخر، مما يعزز استمرار هذه العلاقات مع مرور الوقت، وبذلك تتحول التجمعات من مجرد تجمعات عابرة إلى ما يشبه مجتمعات منظمة لها بنية داخلية واضحة.

كما كان من أبرز نتائج الدراسة أن القروش البالغة تمثل ما يمكن وصفه بـ«قلب الشبكة الاجتماعية» داخل المجموعة، أي أنها الأكثر تفاعلًا وترتبط بعدد أكبر من الأفراد مقارنة بغيرها، فهي تشارك في عدد أكبر من التفاعلات، وتلعب دورًا مهمًا في ربط بقية أفراد المجموعة ببعضها البعض.

في المقابل، تميل القروش الصغيرة أو الأكبر سنًا إلى البقاء على أطراف هذه الشبكة، أي أنها أقل اندماجًا وتمتلك عددًا أقل من العلاقات، ويشير ذلك — بحسب المؤلفة الرئيسية — إلى وجود نوع من الترتيب الاجتماعي غير الرسمي، حيث يكون لبعض الأفراد دور أكثر تأثيرًا داخل المجموعة.

اختلافات بين الذكور والإناث

كشفت الدراسة أيضًا عن فروق واضحة في السلوك الاجتماعي بين الذكور والإناث، فالإناث تميل إلى تكوين علاقات مع إناث أخريات، بينما يُظهر الذكور تفضيلًا أكبر للتفاعل مع الإناث، وغالبًا ما يحتلون مواقع أكثر مركزية داخل الشبكة الاجتماعية.

وتضيف ماروسي أنه رغم أن الإناث تُشكّل النسبة الأكبر من التجمع، فإن الذكور يمتلكون في المتوسط عددًا أكبر من العلاقات.