ليست الرجولة كلمة عابرة تُقال أو صفة تُعلّق على الهيئة، بل هي حالة شعورية عميقة تلمسها المرأة قبل أن تراها وتشعر بها قبل أن تُفسّرها، فالرجولة في عين الأنثى ليست مجرد مظهر أو صوت عالٍ أو حضور طاغٍ، بل هي ذلك الإحساس الخفي الذي يجعلها، رغم قوتها، تميل لتسكن ورغم استقلالها، تختار أن تستند.
المرأة تعشق الرجولة لكنها في الوقت ذاته تقاومها، فهي تنجذب إليها وتختبرها وتقترب منها ثم تبتعد قليلًا لا هروبًا بل اختبارًا، هي لا ترفض الرجولة بقدر ما ترفض الزيف فيها ولا تقاوم حضور الرجل بل تقاوم هشاشته حين يتخفّى خلف قناع القوة.
الاختبار الخفي: بين التحدي والطمأنينة
المرأة لا تختبرك لأنها تحب الصراع، بل لأنها تخاف السقوط، فهي لا تتحداك لتنتصر عليك بل لتطمئن أنك لن تنهزم أمامها، وكل مرة تعاندك فيها، هي في الحقيقة تضعك في اختبار غير مُعلن: “هل ستبقى كما أنت؟ أم ستتغيّر لترضي لحظة؟” فالمرأة لا تثق في رجل يتبدل بسهولة ولا تسلّم قلبها لمن يساوم على ثوابته، لأنها تريد رجلًا يمكنها أن تختلف معه دون أن تخاف أن ينهار.
المرأة التي تتذمّر من غيرتك، قد تكون في داخلها أكثر النساء فرحًا بها، فهي تقول لك: “لا تُضيّق عليّ” لكنها في سرّها تتساءل: “هل يهمّه أمري بما يكفي ليغار؟” كما تعاتبك على تدخلك في تفاصيلها، وربما ترفع صوتها رفضًا، لكنها حين تجلس بين صديقاتها، تفخر برجل “له كلمة”، رجل لا يتركها للريح ولا يترك حدود العلاقة مفتوحة لكل عابر.
هذا التناقض الظاهري ليس ازدواجية، بل هو عمق، فالمرأة لا تبحث عن رجل يوافقها في كل شيء، بل عن رجل يُشعرها أن هناك من يقف على أرض ثابتة، حتى لو اختلف معها، هي ترفع صوتها ضد الحدود لكنها تخاف من غيابها وتتمرد على القيود لكنها تنهار في الفوضى وتريد أن تختار لكنها تريد أن تشعر أن هناك من يحمي هذا الاختيار.
لأن الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا، أن أخطر ما تخافه المرأة ليس الفراق، بل الاختيار الخاطئ، أن تكتشف في منتصف الرحلة أن من ظنّته رجلًا لم يكن كذلك، وأن تشعر أنها سلّمت روحها لمن لا يقوى على حملها، وأن تدرك أن ربان السفينة الذي اطمأنت له لا يعرف كيف يواجه العواصف.
هذا الخوف العميق هو ما يصنع كثيرًا من سلوكياتها، وهذا القلق الصامت هو ما يدفعها أحيانًا لأن “تترجل” لا رغبة بل اضطرارًا، حين لا تجد رجلًا يحتويها تتحول هي إلى رجل، وحين يغيب الحزم تُجبر على أن تكون هي الحازمة، وحين يتلاشى الأمان تصنعه بيديها ولو على حساب أنوثتها.
وهنا تبدأ المأساة، ليست مأساة أن تكون المرأة قوية، بل أن تُجبر على أن تكون كذلك طوال الوقت، أن تفقد رفاهية الضعف ومتعة الاتكاء وراحة أن تكون “امرأة فقط”.
الرجولة الحقيقية لا تُلغِي أنوثة المرأة بل تُعيدها إليها، فهي لا تُخضعها بل تحتويها ولا تُخيفها بل تطمئنها.
ومن هنا، فإن أخطر خطأ يقع فيه بعض الرجال، أنهم يظنون أن التنازل عن رجولتهم هو الطريق إلى قلب المرأة، فيُفرّط ويُلين حيث يجب أن يحزم ويصمت حيث يجب أن يُقال ويُساير حيث يجب أن يُثبت، ظنًا منه أن هذا “حب” بينما هو في عينها “ضعف”.
فالمرأة قد تُجامل ضعفك لكنها لا تعشقه، وقد تتقبله مؤقتًا لكنها لا تسكن إليه، لأن قلبها لا ينبض إلا حيث تشعر أن هناك رجلًا لا مجرد حضور، هي لا تحتاج رجلًا كاملًا لكنها تحتاج رجلًا واضحًا، رجلًا يغار لا يختنق ويحمي لا يسيطر ويضع حدودًا…
التعليقات