تستقبل الأمة الإسلامية مع غروب شمس اليوم الثلاثاء أولى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، وهي فترة تحمل في طياتها الخيرات والبركات، وتتويجها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ويحرص الكثير من المسلمين مع بدء هذه الليالي المباركة على إحياء سنة الاعتكاف اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يلزم المسجد طلباً للقرب من الله وتفرغاً للعبادة.

وفي هذا الإطار، تناول أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية مسألة تشغل بال العديد من الموظفين، وهي إمكانية التوفيق بين سنة الاعتكاف والالتزامات الوظيفية، حيث أكد أن الأولوية الشرعية تُمنح لإتمام العمل والقيام بالمهام الوظيفية على أكمل وجه في حال وجود تعارض بينهما.

الموازنة بين العبادة والمسؤولية

يستند هذا التوجيه إلى قاعدة ترتيب الأولويات في الشريعة الإسلامية، إذ يُصنف الاعتكاف ضمن السنن المستحبة التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، بينما يُعد العمل الذي يقتات منه الإنسان وينفق على أسرته ويؤدي واجباته المجتمعية فريضة واجبة لا يجوز التقصير فيها، وأوضح أمين الفتوى أن مقاصد الشريعة تهدف إلى تحقيق التوازن، فهي تحث على الاجتهاد في العبادة مع منع تضييع المسؤوليات الحياتية والمهنية.

وعليه، فإن الشخص المنشغل بكسب رزقه وأداء وظيفته عن الاعتكاف لا يقع في الإثم، بل يمكنه نيل الأجر عبر استغلال أوقات فراغه في العمل أو المنزل بالإكثار من الذكر والدعاء وتلاوة القرآن، جامعاً بذلك بين ثواب العمل وثواب العبادة.

معنى الاعتكاف

يُعرف الاعتكاف شرعاً بأنه المكوث في المسجد بنية التقرب إلى الله والانقطاع عن شواغل الدنيا، وهي سنة مؤكدة واظب عليها الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة في العشر الأواخر من رمضان طلباً للصفاء الروحي، ورغم مكانتها العالية، إلا أن الفقهاء أجمعوا على أنها ليست فرضاً عينياً بل قربة اختيارية لمن يمتلك الاستطاعة، بشرط ألا تؤدي إلى الإخلال بمسؤوليات أهم.

وأشار أمين الفتوى إلى أن فئاتاً ترتبط أعمالها بمواعيد صارمة أو مسؤوليات حيوية لا يمكن تعطيلها، فهؤلاء تسقط في حقهم فكرة لزوم المسجد طوال الوقت، لأن الدين الإسلامي يتميز باليسر ولا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يطلب من المسلم ما قد يسبب مشقة مالية أو يعطل مصالح الناس المرتبطة بمهنته.

وشدد على أن فضل الاعتكاف عظيم، لكنه لا ينبغي أن يكون ذريعة لإهمال طلب الرزق أو التهرب من المسؤوليات الوظيفية، فالمسلم اللبيب هو من يعوض عدم قدرته على الاعتكاف الكامل بجعل قلبه معلقاً بالله في كل مكان، ومداومة الطاعات في سائر الأوقات، ليطبق روح الإسلام الجامعة بين عمارة الأرض وعبادة الخالق.