في الشرق الأوسط لا تسقط دولة بمعزل عن غيرها، ولا تبقى الأزمات حبيسة الحدود، فهذه المنطقة تشكل نسيجًا مترابطًا من التوازنات الهشة، وأي خلل في أحد أطرافها يتردد صداه سريعًا في الأطراف الأخرى، لذا فإن احتمال سقوط دولة بحجم إيران لا يُعد حدثًا داخليًا فحسب، بل تحولًا جيوسياسيًا قد يعيد تشكيل المنطقة بأكملها.

إيران ليست لاعبًا عاديًا في معادلات الشرق الأوسط، بل هي طرف أساسي في ملفات متنوعة تمتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان، وقد تختلف معها دول وتتصارع معها قوى إقليمية، لكن الحقيقة الثابتة هي أنها أصبحت ركيزة في ميزان القوة الذي يحكم توازنات الإقليم.

السؤال الجوهري إذن لا يدور حول الموافقة أو الاختلاف مع طهران، بل عما يحدث عندما تختفي قوة إقليمية ضخمة فجأة من المعادلة.

التجارب القريبة تقدم إجابات واضحة، فعندما سقطت الدولة العراقية بعد 2003 لم يتحول العراق إلى واحة استقرار، بل إلى ساحة صراع مفتوحة لسنوات، وعندما ضعفت الدولة في سوريا وليبيا لم تختفِ الأزمات بل تفاقمت، ودخلت قوى إقليمية ودولية متعددة إلى حلبة الصراع.

السبب يكمن في حقيقة أن الشرق الأوسط لا يتحمل الفراغ، فعندما تضعف دولة كبرى أو تسقط، لا يبقى مكانها شاغرًا، بل تتدافع قوى متنافسة لملء هذا الفراغ، وغالبًا ما تتحول المنطقة إلى ساحة لصراع نفوذ بين قوى أكبر.

عواقب الزلزال الإقليمي: ما بعد اختفاء قوة كبرى

بناءً على ذلك، فإن سقوط إيران – لو حدث – لن يكون مجرد خبر سياسي عابر، بل زلزالًا إقليميًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فغياب قوة بهذا الحجم قد يطلق سباقًا محمومًا على النفوذ، ويخلق توترات وصراعات جديدة بدلًا من أن يخمد النار القائمة، كما أن القوى الدولية الكبرى لا تنظر إلى المنطقة بعين العاطفة، بل من منظور المصالح الاستراتيجية كالنفط والممرات البحرية والموقع الجيوسياسي، وهي عوامل تجعل الشرق الأوسط أحد أكثر مناطق العالم جذبًا للتدخلات الخارجية، حيث تزداد فرص هذا التدخل كلما اشتدت الخلافات بين دول الإقليم.

في هذا السياق، تبدو الحكمة السياسية اليوم في تبني منهج مختلف، فبدلًا من الرهان على إضعاف طرف ما، ربما يكون الطريق الأكثر عقلانية هو السعي نحو إقامة توازن إقليمي يضمن الحد الأدنى من الاستقرار للجميع، فقد دفع الشرق الأوسط ثمنًا باهظًا خلال العقود الماضية بسبب الحروب والانقسامات، حيث انهارت دول وأخرى ضعفت، ودفعت الشعوب كلفة باهظة لصراعات لا تنتهي.

لطالما تحرك الشرق الأوسط عبر تاريخه بين لحظات التوتر والانفراج، بين الصراع والتوازن.

وتجسد النصوص التوراتية هذه الحقيقة التاريخية بوضوح، فالعبارة الواردة في “سفر الجامعة”: “עֵת מִלְחָמָה וְעֵת שָׁלוֹם”، والتي تعني «وقت للحرب ووقت للسلام»، تختزل طبيعة المنطقة التي لم تعرف استقرارًا دائمًا، بل عاشت دائمًا على إيقاع ميزان قوة دقيق بين القوى المتنافسة.

كما ورد في (سفر الخروج 15: 3) النص العبري: “יְהוָה אִישׁ מִלְחָמָה יְהוָה שְׁמוֹ”، والمترجم إلى: «الرَّبُّ رَجُلُ حَرْبٍ، الرَّبُّ اسْمُهُ».

وتكشف هذه النصوص من التراث الديني القديم كيف كانت الحرب تُصوَّر أحيانًا كجزء من الصراع التاريخي بين القوى والشعوب، فقد عبّر نص من العهد القديم عن هذه النظرة بقوله: “יְהוָה אִישׁ מִלְחָמָה” – «الرب رجل حرب»، وهي صياغة تعكس كيف فهمت المجتمعات القديمة الصراع باعتباره جزءًا من حركة التاريخ ذاتها، مما يفسر سبب كون سقوط أي قوة كبرى يؤدي دائمًا إلى تحولات عميقة في ميزان القوى.

وفي عالم ا