عبرت ميساكو أكيموتو – المشرفة التعليمية اليابانية في إحدى المدارس المصرية اليابانية – عن سعادتها الغامرة بتجربة العمل في مصر، حيث قالت إنها بعد انتهاء مسيرتها المهنية في اليابان، جاءت إلى مصر التي تعتبرها موطنها الثاني لتبدأ فصلاً جديداً في حياتها، فقد كانت في اليابان مديرة لمدرسة ابتدائية تقف خلف مكتبها تراقب عقارب الساعة التي لا تخطئ أبداً، وعندما جاءتها دعوة زميلها السيد “كاواجوي” للعمل كمشرفة تعليمية في مصر، شعرت وكأنها تقف على عتبة حياة جديدة.

وأضافت أنها شعرت بالخوف في البداية لأن اللغة العربية بدت لها طلسمًا صعب الفك، وتساءلت كيف ستفهم قلوباً لا تفهم لسانها، لكنها حين وصلت وجدت “نورهان” المترجمة التي صارت عينيها وأذنيها، ووجدت الأطفال الذين أسرّوا قلبها.

تجربة ثرية تتخطى حدود اللغة والثقافة

في رحلتها داخل المدارس المصرية اليابانية، اكتشفت ميساكو عالماً تربوياً فريداً، حيث تتعانق الفلسفة اليابانية في التعليم مع الروح المصرية الحيوية لتخلق تجربة تعليمية استثنائية، تعلّم فيها الطلاب الانضباط والمشاركة المجتمعية، بينما تعلّمت هي منهم الشجاعة في التعبير والمرونة في التعامل مع إيقاع الحياة، مما شكل نقلة نوعية في فهمها للعملية التعليمية ككل.

وأوضحت ميساكو أكيموتو أنها تعلمت في مصر أن احترام الوقت لا يتعارض مع الرحمة بالنفس، وقالت إنها كانت تعيش في سباق دائم مع الزمن وتشعر بالقلق باستمرار، كما يحدث عندما تعلق في زحمة المرور وتظن أنها قد تتأخر قليلاً، لكنها هنا تعلّمت أن الوقت يمكن أن يكون منظماً دون أن يكون قاسياً، وأن بعض المرونة لا تعني الاستهانة بل تعني فهم الإيقاع الإنساني للحياة، فأصبحت تلك الدقائق القليلة التي كانت تربكها فرصة للهدوء والتأمل، واكتشفت أن في هذه المرونة حكمة تجعل الأيام أخف والقلوب أهدأ.

واستكملت قائلة إن أعظم درس تعلمته لم يكن عن الوقت بل عن البوح، فالأطفال في مصر يمتلكون شجاعة عاطفية تفتقدها اليابان، فاليابانيون خجولون جداً في التعبير عن مشاعرهم، أما هنا فالطفل يركض نحوها ليطوقها بذراعيه الصغيرتين ويقول بملء فيه: “أحبكِ!”، وفي البداية كانت تندهش ثم بدأت تتعلم منهم، وبدأت تكسر ذلك الغلاف الخجول حولها وتعبر عن مشاعرها بصدق أكبر.

وقالت ميساكو أكيموتو إنها تتذكر يوماً في مكتبة الإسكندرية حين سأل المحاضر: “هل لدى أحدكم سؤال؟”، فرفعت العديد من الأيدي فجأة، على عكس الوضع في اليابان حيث قد يتردد الجميع خوفاً من الإحراج، وهنا في المدرسة المصرية اليابانية حين تطبق أنشطة “توكاتسو”، ترى روح القيادة في كل طفل فالكل يريد أن يكون “القائد”، وفي نقاشات مجلس الفصل يذهلها إصرارهم فالطفل المصري لا يتنازل عن فكرته بسهولة ويجادل ويحاول الإقناع بقوة، بينما في اليابان يميلون لتقديم التنازلات بسرعة من أجل الجماعة.

وأضافت أنها رأت “التوكاتسو” ينبض بالحياة في عيونهم، خاصة في يوم “الأوندوكاي” (اليوم الرياضي)، حيث وقف المعلمون جانباً وتركوا الأطفال يديرون كل شيء، فرأتهم ينظمون ويشجعون ويقودون الحدث بحماس لم تعهده، وفي تلك اللحظة لم تشعر بالمسؤولية تجاههم فحسب بل شعرت بشوق عارم لرؤية هؤلاء الصغار بعد عشرين عاماً من الآن، فهم لا يتعلمون فقط بل يبنون شخصيات ستغير وجه مصر.

وأخيراً قالت ميساكو أكيموتو إنه أحياناً يأتيها طفل وبيده رسمة أو اختراع بسيط صنعه في حصة العلوم، ويريها إياه بفخر لا يضاهى، وهي اليوم لا تعرف أسماءهم كلها فالحروف العربية لا تزال تتمرد على لسانها، لكنها تحفظ بريق عيونهم، وربما جاءت تحمل فلسفة الالتزام الياباني لكن الحقيقة أنهم هم من أهدوها شجاعة البوح، وعلموها كيف تطلق سراح مشاعرها وكيف تتحدث بلسان قلبها دون تحفظ.