ثمة حكايات تصل إلى الشاشة ومعها جزء من نهايتها في ذاكرة الجمهور، وهناك يبدأ الاختبار الفني الحقيقي، ففي تلك المنطقة التي تتجاور فيها المعرفة المسبقة مع الرغبة في الترقب تتحدد براعة الدراما وقدرتها على إعادة تشكيل المعلوم داخل تجربة مشاهدة مشحونة بالحس والانفعال، ومن هنا يكتسب “حكاية نرجس” خصوصيته؛ إذ يدخل إلى متلقيه عبر قصة مستقرة في الوعي العام ثم يعيد بناءها داخل مسار سردي يجعل التوتر متولدًا من الكيفية، ومن إيقاع الكشف، ومن التحولات النفسية التي تمنح الحكاية حرارتها الجديدة وتدفع المشاهد إلى ملاحقة تفاصيلها حتى لحظتها الأخيرة.

في هذا السياق جاء المسلسل بوصفه عملًا أدرك طبيعة هذا التحدي منذ البداية، فاشتغل على مادة حكائية راسخة في الذاكرة العامة ثم أعاد صوغها داخل بناء درامي أكثر كثافة وحيوية، كتب العمل عمار صبري، وانطلق من فكرة سامح علاء الذي تولى إخراجه أيضًا، وصاغ موسيقاه التصويرية تامر كروان، بينما ضم العمل ريهام عبد الغفور في دور نرجس، وحمزة العيلي في دور عوني، ومعهما تامر نبيل، سماح أنور، أحمد عزمي، بسنت أبو باشا، دنيا ماهر، إلهام وجدي، عارفة عبد الرسول، وآخرون، في توليفة أدائية منحت الحكاية اتساعها الإنساني وتوترها المتصاعد.

من الحكاية إلى المعايشة: كيف أعاد المسلسل تشكيل التوتر؟

تكمن براعة المسلسل في أنه نقل مركز الجاذبية من الحكاية بوصفها خبرًا إلى الحكاية بوصفها معايشة، فيدخل المتلقي إلى العمل وهو يعرف إطاره العام ثم يجد نفسه مندمجًا في تفاصيل الطريق، مأخوذًا بتصاعد الانفعال، ومشدودًا إلى التحول النفسي للشخصيات، هكذا تصبح المعرفة السابقة أرضيةً للتوتر، وتتحول النهاية المحفوظة إلى محطة داخل رحلة متوهجة بالإحساس، هذه النقلة تمنح العمل قيمة حقيقية، لأن التشويق هنا يتولد من إدارة المعرفة ومن إعادة توزيعها وجدانيًا داخل المشهد.

ومن هذه النقطة يكتسب النص ثقله، الكتابة في المسلسل تتحرك في مساحة تجمع بين التكثيف والتمهيد، فتفتح لكل شخصية بابها النفسي بالتدريج، وتمنح اللحظات المفصلية زمنها الكافي كي تترسخ في الوجدان، ثم يأتي الإخراج ليحول هذا البناء إلى تدفق بصري متماسك، تتحرك فيه الكاميرا على نحو يلتقط الاضطراب الكامن تحت السطح، ويمنح الصمت والنظرة والفراغ داخل الكادر وظيفة درامية كاملة.

وتظهر بصمة سامح علاء في إحكام العلاقة بين التكوين البصري والحالة النفسية، بحيث تتحول عناصر المشهد إلى وسائل لالتقاط القلق الكامن وصياغته داخل الصورة بقدر عال من الدقة والاتزان.

ريهام عبد الغفور: حاملة الثقل الانفعالي

في قلب هذا البناء الدرامي تقف ريهام عبد الغفور بوصفها حاملة مركز الثقل الانفعالي والسردي في العمل؛ إذ تؤسس الشخصية عبر أداء يقوم على التشكل السيكولوجي المتنامي أكثر مما يقوم على الإفصاح المباشر، نرجس تتشكل من خلال اقتصاد تعبيري محسوب يجعل الجسد، ونبرة الصوت، وزمن الصمت، واتجاه النظرة، وحدات دلالية فاعلة في إنتاج المعنى، ومن هنا تكتسب الشخصية كثافتها؛ فالأداء يشتغل على جدلية الاحتياج والاستحواذ، وعلى التحول المستمر بين الهشاشة الوجدانية والعنف الكامن، بما يمنح الشخصية تركيبًا دراميًا متعدد الطبقات، ويحررها من أحادية التلقي الأخلاقي.

وتزداد فاعلية هذا التشكيل لأن أداءها يقوم على نوع من التمثيل الداخلي الذي يجعل الانفعال يتولد من داخل البنية النفسية للشخصية، ثم يتسرب إلى السطح عبر علامات دقيقة ومقتصدة، فيغدو المشهد مجالًا لقراءة التوتر أكثر من كونه مجرد وعاء للحدث، وبهذه الآلية تصير نرجس شخصية ذات طاقة تأويلية مفتوحة؛ فهي تستدعي التلقي على مستوى التعاطف، وتضعه في مواجهة مستمرة مع الحكم عليها، وتدفعه