تمر المنطقة بلحظة تاريخية حاسمة، حيث تتداخل صدمة التحول القيادي في طهران مع اشتعال جوابي القتال من مضيق هرمز إلى قلب تل أبيب، في مشهد يعيد تشكيل خارطة النفوذ بقوة السلاح.
التحول البنيوي في القيادة الإيرانية
يُعد تنصيب مجتبى خامنئي مرشداً ثالثاً للجمهورية الإيرانية خلفاً لوالده الراحل إعلاناً عن دخول مرحلة “الصدام الشامل”، هذا الاختيار، الذي جرى تحت وطأة الغارات الجوية العنيفة، يعكس رغبة النظام في الحفاظ على التماسك الداخلي والالتفاف حول شخصية تجمع بين شرعية النسب والنفوذ العميق داخل أروقة الحرس الثوري، إن التحدي الذي يواجهه المرشد الجديد يتجاوز السياسي إلى المعركة الوجودية، حيث يسعى لتثبيت أقدامه عبر الرد العسكري المباشر، متسلحاً برغبة في الانتقام الشخصي والسياسي بعد فقدان أفراد من عائلته في الضربات الأخيرة.
استراتيجية نقل المعركة إلى العمق واختراق الحصون
تجاوزت العمليات العسكرية الأخيرة مفهوم “قواعد الاشتباك” التقليدية لتنطلق نحو استهداف عصب الحياة في الجانب الآخر.
استهداف البنى التحتية الحيوية
- مطار بن غوريون ومنشآت الطاقة: يمثل استهدافهما بالصواريخ الثقيلة محاولة جادة لعزل إسرائيل دولياً وشل حركتها الجوية، وهي رسالة وصلت أصداؤها سريعاً عبر تعطل الملاحة والقلق الدولي، بالتوازي مع ضرب المحطة الكهربائية الرئيسية التي أغرقت مناطق واسعة في الظلام.
- ضرب الرؤوس السياسية: تشير الأنباء عن استهداف مسيرات لمنزل الوزير المتطرف إيتمار بن غفير والمنشآت الأمنية الحساسة إلى أن طهران تتبع سياسة “العين بالعين”، مستهدفة المحرضين السياسيين رداً على استهداف قياداتها، مما يعزز حالة الإرباك الداخلي لدى الخصم.
فشل نظرية الانهيار السريع وصمود البنية
لقد ثبت عدم دقة مراهنة واشنطن (بإدارة ترامب) وتل أبيب على أن الضربات المركزة ستؤدي إلى انهيار فوري في البنية السياسية الإيرانية، فرغم حجم الدمار، أظهر النظام قدرة على ترميم قيادته في ساعات، وانتقل من الدفاع إلى الهجوم الشامل عبر موجات صاروخية فرط صوتية وعنقودية أربكت رادارات الإنذار المبكر في المنطقة، مما أدى لتقليص زمن الاستجابة الدفاعية إلى أدنى مستوياته، وهو ما يضع الكفاءة العسكرية الغربية أمام تساؤلات كبرى.
الرؤية الدينية والسياسية للصراع
لا ينفصل هذا الصراع عن جذوره العميقة، فما نراه هو تجسيد لسنن المدافعة في الكون، حيث “يُؤْتِي الْمُلْكَ مَن يَشَاءُ وَيَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن يَشَاءُ”، إن محاولات فرض الهيمنة المطلقة تقابلها دائماً مقادير إلهية تجعل من استنزاف الخصوم وسيلة لتبديد أحلامهم في السيطرة، ويبرز هنا الصمود العربي والخليجي كحائط صد يرفض الانجرار إلى فوضى عارمة تخدم الأجندات الغربية أو الإقليمية المتطرفة، متمسكاً بالحكمة التي تحفظ دماء الأبرياء ومقدرات الأوطان.
المشهد الاستراتيجي عند مفترق طرق
تجد المنطقة نفسها عند مفترق طرق مصيري، حيث تتصاعد حدة المواجهات وتتسع دوائر النزاع، مما يضع مستقبل الاستقرار الإقليمي على المحك، وتعتمد النتيجة على قدرة الأطراف على قراءة التداعيات بعمق، والاختيار بين خيارات صعبة تتراوح بين الهدنة الهشة والمواجهة الشاملة التي قد تطال أمن الطاقة العالمي.
الخلاصة: المنطقة الآن في “عنق الزجاجة”؛ فإما الذهاب نحو تسوية اضطرارية تضمن هدوءاً هشاً، أو الانزلاق إلى حرب استنزاف كبرى قد لا تتوقف عند حدود الجغرافيا الحالية وتطال أمن الطاقة العالمي.
التعليقات